غزّة | قرارٌ سياسي ارتدى عباءة القضاء للتخفيف من وطأة ردود الفعل عليه. هذا ما استشفّته «حماس» التي أصابتها سهام قرار محكمة القاهرة للأمور المستعجلة. قرارٌ لم يكنْ في حساب توقّعات الحركة، نظراً إلى ترقّبها موعد تصنيفها حركةً إرهابية من عدمه، انطلاقاً من تلويح مصر بهذه العقوبة الصارمة في أكثر من مناسبة.


شكلاً، لم يكن القرار نابعاً من النظام السياسي المصري، وخصوصاً أن المحامي سمير صبري، هو من تقدّم بهذه الدعوى المستعجلة، للضغط باتجاه إدراج «حماس» ضمن لائحة الإرهاب. ضمنيّاً، انقسم المتعمّقون بقراءة الحكم إلى فريقين: أولهما رأى أن القرار صيغ في أروقة الأمن والسياسة المصرية، مستعينةً بالقضاء المصري لتمرّر عبره ما شاءت من مضاعفة حملات حصارها لـ«حماس»، ورافعةً بذلك الحرج عن نفسها. أما الفريق الآخر، فعثر على مدلول إيجابي بين ثنايا الحكم، وخصوصاً أنه جاء مخفّفاً ولم يعتبر «حماس» حركةً إرهابية. ورأى هذا الفريق أن النقطة الإيجابية في نية النظام المصري الحالي عبر هذا الحكم تكمن في وضع حد للاستقطابات والتجاذبات الحاصلة بينه وبين «حماس»، للتمهيد لفتح صفحة جديدة مع الأخيرة، وخصوصاً أنه يعلم عدم احتضان بلاده لأي مقارّ أو أنشطة للحركة أو ما ينبثق منها، حتى إن نائب رئيس المكتب السياسي للحركة موسى أبو مرزوق، المقيم في القاهرة، لا يمتلك أيّ مكتب يمثّل الحركة رسمياً هناك.
«حماس» تلقّفت القرار بردّّ فعل غاضب إزاءه، وعدّته «باطلاً ويستهدف المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بأكمله». كذلك قرعت جرس الإنذار تجاه هذه المسألة خشيةً من ازدياد قتامة المشهد الغزاوي في الأيام القادمة.
ورأى عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» محمود الزهار أن القرار «يخدم المشروع الصهيوني بصورة كبيرة» مشدداً على أن مصر «فقدت دورها في رعاية» ملف المصالحة الفلسطينية.
واعتبر الزهار أن القرار هو «قرار سياسي بامتياز يفتقد للعدالة، لأنه صدر في غياب دفاع عن الحركة، ولم يُقدم مستندات ولا قرائن ولا أدلة على أكاذيب سمير صبري المحامي مقدم البلاغ». ورأى القيادي الحمساوي يحيى موسى في حديث لـ«الأخبار» أن الحكم «سياسي، ولا قيمة أو معنى له، وهو إدانة حقيقية للنظام كله».
وحول ما يمثل هذا القرار من تحديات للحركة، قال: «هذا القرار لن يلقي بظلال جديدة على الحركة وقطاع غزّة، لأن الواقع المعيش من حصار خانق أسوأ مما قضت به المحكمة»، مشدّداً على أن «الحكم انقلاب حقيقي على مصر وقيمتها واستراتيجيتها، كذلك فإنه يحمل في طياته معاقبةً لشهداء مصر الذين سقطوا على يد العدو الإسرائيلي. ما يجري الآن مشهد عبثي هزلي يمثل حالة اللاوعي المصري». ورجّح موسى كفة انزلاق الوضع السياسي والإنساني نحو الهاوية في الفترة المقبلة، وخصوصاً أن الطرف الراعي للتهدئة التي أُبرمت بين فصائل المقاومة والعدو الإسرائيلي في تشرين الثاني عام 2012 غائب، قائلاً: «لوّح العدو الإسرائيلي بالحرب على غزة عام 2008 من قلب القصر الرئاسي المصري، فيما نشهد الآن وضعاً أسوأ مما كان عليه آنذاك، فالتنسيق والتعاون بين الطرفين المصري والإسرائيلي غير مسبوق من الناحية الأمنية وعلى مدار الساعة، لذا قد تُقرع طبول الحرب على غزّة من مصر». كذلك عدّ الحكم تساوقاً مع الاحتلال الإسرائيلي والغرب، في محاولة لشرعنة الانقلاب وتحصينه عبر تقديم أوراق اعتماده للجهات المعنية، على حدّ قوله. وعن ملف المصالحة الذي تبنته مصر طوال الفترة الماضية، قال موسى: «فاقد الشيء لا يعطيه، فمن أدخل الشعب المصري في هذه الحرب الأهلية وأحدث انقساماً حاداً في صفوفه، لن يتمكن من إصلاح علاقات أطراف أخرى ببعضها».
أما مستشار رئيس الحكومة المقالة للشؤون الخارجية، باسم نعيم، فذهب إلى عكس ما قاله موسى، مؤكداً لـ«الأخبار» أن «القيادة المصرية تدرك أن «حماس» ليست حركة هامشية، بل تحظى بامتداد عروبي وإسلامي، ولن تتهوّر في تصنيفها حركةً إرهابية لاحقاً». وما الذي يمثّله هذا الحكم على صعيد العلاقات بين الجانبين؟ ولمَ اكتفت مصر بهذه الخطوة ولم تصنف الحركة حركةً إرهابية؟ أجاب نعيم: «القرار صدر عن المحكمة المستعجلة، وبالتالي لن يكون له أي أثر فعلي على أرض الواقع، وخصوصاً أن شريحة كبيرة من الشعب المصري لا تزال تؤمن بأن «حماس» حركة وطنية تقاوم العدو الصهيوني». وأضاف: «جاء القرار في خطوة احترازية للحدّ من نشاطات الحركة على الصعيد الميداني إلى حين بتّ كافة القضايا وإصدار الحكم النهائي». وأكد نعيم أن مصر ليست معنية بتفجير الأوضاع في قطاع غزّة، وفتح جبهة للقتال مع الاحتلال الإسرائيلي بغطاءٍ منها.
من جهته، رأى المحلل السياسي، عدنان أبو عامر، أن الحكم محاولة جادة لتراجُع الحكومة المصرية عن تصنيف «حماس» حركةً إرهابية، غير أنه سيكون له تبعات ميدانية على غزّة من تشديد للحصار، وتأليب الرأي العام ضدّه، غير أن المحلل السياسي هاني حبيب اعتبر القرار استعراضاً شكلياً، ويحمل حكماً مخفّفاً عمّا كان متوقعاً.

يمكنكم متابعة عروبة عثمان عبر تويتر | @OroubaAyyoubOth