الخرطوم | بعد قراره إلغاء تسجيل وحجز ومصادرة 24 منظمة، مرّر مجلس الوزراء السوداني مشروع قانون «تفكيك» نظام الرئيس المعزول عمر البشير، و«إزالة التمكين» في مؤسسات الدولة، إلى جانب قانونَين آخرين هما «إلغاء قانون النظام العام والآداب العامة في الولايات لسنة 2019»، و«قانون مفوضية إعادة بناء المنظومة القانونية والعدلية لسنة 2019». وفيما سارعت قيادات «قوى إعلان الحرية والتغيير» إلى الترحيب بتلك الخطوة بوصفها من مطالب «ثورة ديسمبر»، ومما نصّت عليه الوثيقة الدستورية على اعتبار أن حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم سابقاً عمل على تمكين أعضائه في مفاصل الدولة، انتفضت قيادات الحزب المعزول على ذلك، وحذرت في بيان أول من أمس من حلّ الحزب ومنعه من حقه «المشروع» في الممارسة السياسية، محذرة من «وابل من الغضب لن يسلم منه أحد». تهديداتٌ قلّل القيادي في «الحزب الشيوعي»، عضو «الحرية والتغيير» صديق يوسف، من خطورتها، معتبراً أن «حلّ المؤتمر طبيعي». وأشار يوسف، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «القرار تأخر كثيراً»، مطالباً الحكومة بالمضيّ فيه حتى حلّ الحزب «الذي انقلب على الشرعية ودمّر البلاد وارتكب جرائم لا تغتفر... ثورة ديسمبر قامت أصلاً ضدّ هذا الحزب». وكانت «الحرية والتغيير» دعت، في الخامس والعشرين من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، إلى «ضرورة حلّ المؤتمر الوطني»، وأعلن المتحدث باسمها، وجدي صالح، آنذاك، أن تحالفه يسعى إلى «تسريع هذه الخطوة بالقانون... لا بدّ من حصر أصول الحزب وممتلكاته وإعادتها إلى الشعب». سبق ذلك قرار محكمة الطعون الإدارية في الثاني عشر من الشهر نفسه إلزام «مسجل الأحزاب السياسية» تبنّي حلّ حزب البشير. واستندت المحكمة إلى مخالفة «المؤتمر» المادة 14 من قانون الأحزاب، والتي تحظر «استخدام أيّ تشكيلات أو ميليشيات عسكرية لتحقيق أيّ غرض»، بعدما قال نائب الرئيس الأسبق، علي عثمان محمد طه، إن لديهم «كتائب ظلّ على استعداد لحماية النظام والدفاع عنه بأرواحها».

إزاء ذلك، يبدو أن المشهد السوداني مقبل على مواجهة بين «الحرية والتغيير» كسلطة حاكمة وأعضاء حزب المعزول، الذي يرى - على ما يبدو - أن السلطة عاجزة عن تنفيذ قرارها، وفق ما قال عضو «المؤتمر»، أحد أعضاء هيئة دفاع البشير، محمد الحسن الأمين. ووصف الأمين القرار بـ«التعسّفي، لأن السلطة الحاكمة أصبحت الخصم والحكم... القرار لا يستند إلى قيم الحرية، وهذا المسلك يدلّ على أن السلطة تدعو الآخرين إلى اتباع سبل غير ديموقراطية». وأشار، في حديث إلى «الأخبار»، إلى «(أننا) حزب قديم وموجود قبل الاستعمار. أنا مثلاً عضو جبهة إسلامية منتخب، وخلال هذه السنوات كان الاسم فقط يتغير، والآن يمكننا تغييره، لكننا لن نفعل ذلك، لأن الوطني خلفه قاعدة جماهيرية ولن يختفي بجرّة قلم». يشار إلى أن «المؤتمر الوطني» تأسّس على أنقاض «الجبهة الإسلامية القومية» التي تزعّمها الراحل حسن الترابي، و«مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني» بقيادة عمر البشير، وتولى الحكم منذ 1989 حتى إطاحته، علماً بأن أعضاء الحزب تولّوا رئاسة أبرز المنظمات والاتحادات، على غرار اتحاد العمال واتحاد المزارعين. ولاحقاً، اختلف الترابي مع «الإنقاذ» في شأن جملة من القضايا، أبرزها الحدّ من صلاحيات رئيس الجمهورية، كما تعرّض الحزب خلال مسيرته لانشقاقات كثيرة أسّس القائمون بها أحزاباً أخرى.

يبدو أن المشهد السوداني مقبل على مواجهة بين «الحرية والتغيير» وبين أعضاء حزب المعزول


في المقابل، يرى رئيس «لجنة التحقيق في فضّ اعتصام القيادة العامة»، المتخصص في القانون نبيل أديب، أن حلّ «المؤتمر» ممكن بواسطة قانون الأحزاب لسنة 2007، لافتاً إلى أنه «يمكن لمسجّل الأحزاب تحريك الإجراءات أمام المحكمة الدستورية التي ستتخذ القرار». ويعدّد أديب عدداً من مخالفات الحزب، ومن بينها «غياب ميزانية شفافة للحزب طوال وجوده في السلطة، توضح أوجه الصرف على كثير من القضايا، مثل موضوع الانتخابات الأخيرة في 2015... أيضاً تسلم مبالغ من الحزب الشيوعي الصيني، وهذه جهة أجنبية وقانون الأحزاب لا يسمح بقبول دعم أجنبي». مع ذلك، يرى أديب أنه لا داعي لحلّه، «لأنه كان حزب سلطة يؤيد الرئيس المعزول مقابل مناصب، وبعد سقوط النظام صار فاقداً للتأييد ولا وجود له». الرأي نفسه يتبنّاه الكاتب عبد الله رزق الذي يعتبر أن «المؤتمر الوطني انتهى بسقوط نظام الإنقاذ، لأن الحزب كان جزءاً من أجهزة السلطة السياسية والتعبوية»، لكنه يعتقد أنه «يمكن اتباع بعض الإجراءات لسحب المشروعية عن الحزب الذي هو أشبه بالمصلحة الحكومية التابعة للدولة، إذ يُصرف عليه من مال الدولة ويحتكر منسوبوه المناصب العليا».
أما المختص في الشأن القانوني، إسماعيل الحاج موسى، وهو عضو في الحزب المعزول، فيرى أن على السلطات إيجاد مواد في دستور 2005 تبرّر حلّ «المؤتمر»، مبيّناً في حديث إلى «الأخبار» أن «الوثيقة الدستورية للحكومة الانتقالية لم تشر إلى ذلك... هناك أسباب سياسية واجتماعية يتحدث عنها المطالبون بالحلّ، حصروها في تكوين الحزب مؤسسات إرهابية وتنفيذ إعدامات، وهذه قضايا جنائية». وجهةُ نظر يوافق عليها أيضاً المحامي كمال عمر، الذي يلفت إلى أنه «في كلّ الأنظمة الدستورية العالمية لا يوجد حزب يُحلّ بقرار سياسي، بل إن الدستور والوثيقة الدستورية نصت على حرية العمل السياسي، ولذلك أيّ حلّ لا بد أن يكون صادراً من المحكمة الدستورية بعد اقتناع مسجّل الأحزاب بمبررات حلّ الحزب». ويشير عمر إلى أن «المؤتمر الوطني كان أسّ الكوارث وارتكب حماقات، لكن المبادئ لا تتجزأ»، مُذكّراً بأنه «سبق أن تمّ حلّ الحزب الشيوعي بعد ثورة أكتوبر بقرار من البرلمان والسلطة السيادية عندما كان الصادق المهدي رئيساً للوزراء. والترابي قال وقتها إن حلّ الحزب تمّ بطريقة شرعية، لكن القضاء أعطى الحزب الحق في الممارسة السياسية... الممارسة الخطأ ستعود بنا إلى مربع الانقلابات».