المنامة | يكن في حسبان المشيعين لجنازة الشاب جعفر الدرازي الذي قضى نتيجة التعذيب وإهمال الرعاية الصحيّة الاثنين الماضي في بلدة الديه غرب العاصمة المنامة أن تتطور الأحداث بصورة درامية مأساوية، حيث توجه آلاف من المشيعين الغاضبين نحو الشارع العام زحفاً إلى دوار اللؤلؤه المحاصر عسكرياً منذ اندلاع شرارة الثورة البحرينية في 14 فبراير 2011.


المتظاهرين كانوا بمعظمهم أطفالا ونساء وشبابا تقدموا رافعين الأعلام الوطنية، ومرددين شعارات تطالب بإسقاط النظام، وبحق تقرير المصير، كما نددوا بتدخل السعودية كقوة محتلة، في مواجهة مباشرة مع القوات البحرينية المدججة بأسلحتها وآلياتها العسكرية.
كشفت الأحداث فيما بعد عن سيناريو دراماتيكي: قوات الأمن لم تكن بحرينية، فأغلبها من جنسيات عربية وأجنبية، وقد جرى حصار منطقة السنابس وجدحفص والديه ساعات طويلة قبل انطلاق التشييع، الذي رافقته حالة من الاستنفار الأمني والحضور المكثف للآليات والمدرعات العسكرية منذ فترة الظهيرة، ما تسبب بزحام مروري خانق بسبب الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش.
قوات الأمن واجهت المتظاهرين بقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الانشطاري، ما أدى إلى وقوع اشتباكات وسقوط جرحى واعتقال بعض المواطنين. وأثناء حالة المواجهة، سُمع دوي انفجارٍ قرب مجمع الهاشمي التجاري في مدينة جدحفص، أدى إلى مقتل ثلاثة من عناصر الشرطة من الجنسية الباكستانية واليمنية وضابط إماراتي، وإصابة أربعة آخرين من الجنسية الأردنية والباكستانية.
جهات مجهولة كسرايا المقاومة الشعبية وسرايا الأشتر أعلنت، في بيان، مسؤوليتها عن تنفيذ العملية وأخرى بمنطقة السيف، تتبرأ منها المعارضة البحرينية. وقامت قوات الأمن بحملة تمشيط في المنطقة، وبمداهمات لمنازل مواطنين في بلدتي السنابس والديه، أدت إلى اعتقال ما لا يقل عن 25 مواطناً، من بينهم 12 فرداً من عائلة واحدة. وجرى تعزيز الحضور الأمني بصورة مكثفة عبر نقاط التفتيش، وفرض حصار مناطقي على المثلث (السنابس، جدحفص، والديه)، وأفاد شهود عيان بقيام قوات الأمن بالاعتداء على سيارات المواطنين بالتكسير والتخريب.
وفي المساء، قامت ميليشيات مدنيّة ملثّمة تحمل أسلحة بيضاء، بالاعتداء على مقر جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، حيث هشّمت زجاج واجهة المبنى، وهدّدت الموجودين فيه وروّعتهم بنية القتل العمد، بحسب بيان للقوى الوطنية الديمقراطية، التي شدّدت على أهميّة ايجاد ضغط دولي لإيقاف العنف المتصاعد في البحرين، والوقوف ضدّ دعوات الانفلات الأمنيّ، التي ترمي إلى حرق وتدمير البلاد من قبل بعض العناصر الموالين للنظام الحاكم».
وتباينت ردود الفعل المحلية والخارجية على تفجير الديه، فيما أصدرت قوى المعارضة الوطنية ورموز دينية في البحرين (الشيخ عيسى أحمد قاسم والسيد عبد الله الغريفي) بيانات تدين فيه عملية الانفجار، وتؤكد مشروعية الحراك السلمي.
وأعلنت الحكومة البحرينية الحداد لمقتل رجال الشرطة، وعقدت جلسة استثنائية بمجلس الوزراء بحضور ولي العهد سلمان بن حمد آلخليفة ورئيس الورزاء خليفة بن سلمان آلخليفة، وأعلنت إدراج ائتلاف 14 فبراير وسرايا الأشتر وسرايا المقاومة وأية جماعات مرتبطة بها، ومن يتحالف أو يتكامل معها، ضمن الجماعات الإرهابية. وكُلّف وزير الداخلية ملاحقتها والقبض على عناصرها، كما كلف وزير الخارجية العمل على إدراج الجماعات المشار إليها ومن يتحالف ويتكامل معها على القوائم الدولية للإرهاب، إضافة إلى تكليف وزير العدل متابعة الجمعيات السياسية، والمنابر الدينية والخطباء، الذين يلجأون إلى خطاب الكراهية والطائفية والتحريض على العنف، وفق تعبيره.
من جانبها، أكدت قوى المعارضة الثوريّة «ائتلاف شباب ثورة الرابع عشر من فبراير، حركة أحرار البحرين، حركة خلاص، تيار العمل الإسلاميّ وحركة حق» في بيانٍ لها، تحميل النظام الحاكم كامل المسؤوليّة عن سفك دماء أبناء الشعب البحريني، وعن جميع الانتهاكات والجرائم البشعة التي تُرتكب بحقّهم. ودانت القوى الثوريّة عنف النظام الممنهج ضدّ المتظاهرين السلميين، في تأكيد منها على الوقوف التام إلى جانب أهالي مناطق مثلث الصمود «الديه، السنابس، جدحفص».
وشددت القوى الثوريّة في بيانها بخصوص اقتراب ذكرى دخول قوات «درع الجزيرة» البحرين في الـ13 آذار 2011 على عدة مبادئ في الحراك الثوري، تتمثل في التمسك بالمنهج السلميّ الذي نصّ عليه «ميثاق اللؤلؤ» و«عهدالشهداء»، مع الإصرار على حق الدفاع المقدّس، وحق الشعب في المقاومة المشروعة، التي كفلتها كلّ الشرائع السماويّة والقوانين الدوليّة. وحمّلت القوى الثوريّة النظام الحاكم وقوات الاحتلال السعودي، حسب البيان «كامل المسؤولية من تداعيات بقاء الاحتلال واستمرار سفك دماء المدنيين العزّل، إذ تشارك هذه القوات في مداهمة القرى والمناطق بكلّ وحشيّة وعنف، في عسكرة جائرة مستفزة لا تراعي حرمة للأهالي الآمنين». أما ردود فعل دول الخليج، فكان أبرزها ما نشرته صحيفة الخليج الإماراتية، عن إصدار حاكم دبي محمد بن راشد قرارا بمنع أعضاء جمعية الوفاق الوطني الإسلامية المعارضة في البحرين من دخول الإمارة ابتداءً من الثلثاء 4 آذار 2014، كما دعا رئيس شرطة دبي السابق المثير للجدل ضاحي خلفان إلى إرسال قوة إضافية قوامها ألف جندي إماراتي للتأكيد على موقف بلاده الثابت في دعم النظام البحريني، وادعى خلفان في حسابه على تويتر أن الجاني في عملية «اغتيال الشحي ﻻ يبعد كثيرا من موقع الحادث»، مدعيا أنه «تردد على لبنان، وتدرب على التفجيرات في حزب الله».وحتى اليوم لا تزال بلدة السنابس خاضعة لحصار أمني وحظر تجول مسائي مع تفتيش دقيق، كما تتمركز عشرات الآليات العسكرية المعززة بقوات أمن وعناصر مدنيين في محيط المنطقة، مع استمرار عملية المداهمات الليلية وإجبار المحال التجارية على الإقفال وتمشيط واسع للمنطقة.
أما أهالي بلدة السنابس، فيعيشون أجواء رعب بسبب الحصار المفروض، مستنكرين حالة العقاب الجماعي، واستباحة قوات أمن وعناصر تابعين للحرس الوطني المنطقة بقوة السلاح، الأمر الذي دفع جمعية الوفاق المعارضة إلى إطلاق نداء إلى الجهات الحقوقيّة والمنظمات المعنية، بشأن ما تعانيه بلدة السنابس من حملة أمنيّة شرسة ومأساوية، حسب بيانها.
تداعيات حادثة تفجير الديه ستلقي بضلالها على مسار الأحداث الآتية في البحرين، ونشطاء حقوقيون يرون أن النظام استغل الحادثة لتصعيد حملته الأمنية على المعارضة، استباقاً للمرحلة المقبلة، وخصوصاً مع اقتراب ذكرى التدخل العسكري لقوات درع الجزيرة مطلع مارس، وموعد مؤتمر جنيف، حيث سيناقَش ملف البحرين الحقوقي.