لكل طرف روايته عن ذاك الصدام الذي يهدد بانفراط عقد مجلس التعاون الخليجي. السعودية ومن معها تتحدث عن عدم التزام قطر باتفاق سابق كان قد وقّعه أميرها قبل أكثر من ثلاثة أشهر في الرياض التي يبدو أن الشعرة التي قسمت ظهر بعيرها كانت التصريحات الأخيرة للداعية الإسلامي يوسف القرضاوي من على شاشة قناة «الجزيرة»، في وقت تحاجج الدوحة فيه بمبدأ السيادة وتتحدث عن سياسة خارجية يريد الآخرون الضغط عليها من أجل تغييرها.


صدام هزّ الخليج والمنطقة واستدعى تدخلاً كويتياً تحت عنوان الوساطة، وجهوداً عربية بقيادة جامعة الدول العربية لرأب الصدع. الوساطة أكدها وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء الكويتي الشيخ محمد عبدالله المبارك الصباح الذي أوضح أن «موقف الكويت الثابت حيال أي أزمة خليجية هو الحرص على احتواء الموقف»، مشيراً إلى أنه «ليس بغريب أن تكون هناك خلافات بين الدول الشقيقة، وفي أي بيت أيضاً»، ومعرباً عن اعتقاده بأن «حكمة» قادة دول مجلس التعاون الخليجي «ستسود» في مثل هذه المواقف، لتبقى «اللحمة الخليجية الدائمة بيننا».
وكانت مصادر في وزارة الخارجية الكويتية قد كشفت في وقت سابق أن «الكويت لن تسحب سفيرها من قطر، ولا تزال تلعب دور الوساطة بين قطر وبقية دول الخليج، وبين قطر ومصر».
أما الجهود فقد أعلن عنهانائب الأمين العام للجامعة العربية، أحمد بن حلي، إذ كشف عن اتصالات تجريها الجامعة لاحتواء الأزمة الخليجية. وقال إن «جهوداً عربية تبذل حالياً لاحتواء الأزمة، خاصة في ظل المخاطر التي تحدق بالأمة العربية».
وفي ردّه على سؤال لأحد الصحافيين حول ما إذا كانت القمة العربية المقبلة والمقرر انعقادها في الكويتة ستناقش موضوع اعتبار الإخوان المسلمين جماعة «إرهابية»، قال بن حلي «لم أسمع أن هناك أي طلب حول هذا الموضوع، ولم يطلب أحد ذلك».
في هذا الوقت، قالت مصادر مقرّبة من الحكومة القطرية إن قطر لن ترضخ لمطالب دول الخليج الثلاث لتغيير سياستها الخارجية.
وعبّر مجلس الوزراء القطري عن «الأسف والاستغراب» لقرار الشركاء في مجلس التعاون الخليجي (بسحب السفراء من الدوحة)»، لكنه قال إن «الدوحة لن ترد بالمثل، لأنها ستظل ملتزمة بأمن كافة دول مجلس التعاون».
وقال مصدر مقرّب من الحكومة القطرية «لن تغير قطر سياستها الخارجية بغض النظر عن الضغوط. هذا الأمر مسألة مبدأ نتمسك به بغض النظر عن الثمن»، مشيراً إلى أن «قطر لن تتخلى عن استضافة أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، بمن فيهم يوسف القرضاوي» الذي يثير غضب السلطات في السعودية والإمارات. وقال مصدر في وزارة الخارجية القطرية «من حق كل دولة ذات سيادة أن يكون لها سياستها الخارجية الخاصة»، مشيراً إلى أنه «لا توجد خلافات بين قطر ودول الخليج بشأن قضايا خليجية»، وأضاف أن النزاع يتعلق «أكثر بخلافات حول السياسة الخارجية». وكان لافتاً اتصال أجراه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مع سلطان عمان قابوس بن سعيد أمس لبحث مستجدات الأوضاع في المنطقة، على ما أفادت وكالة الأنباء القطرية. وتشير معلومات متداولة إعلامياً إلى أنه طلب من قطر «عدم احتضان المعارضات الخليجية»، و«عدم دعم الإخوان المسلمين»، و«عدم دعم الحوثيين في اليمن»، وأن قطر وعدت بتطبيق هذه الطلبات، إلا أنها «أخلّت» بوعدها. وتؤكد المعلومات نفسها أن السعودية والإمارات والبحرين «لن تقف» عند خطوة سحب السفراء، وأن هناك خطوات تصعيدية ما لم تغيّر الدوحة سياستها.
وكان أمير قطر قد وقّع اتفاقاً في 23 تشرين الثاني الماضي في الرياض، بحضور الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح الذي يعالج حالياً في أميركا، وأيّده جميع قادة دول مجلس التعاون الخليجي الست، يقضي بـ«الالتزام بالمبادئ التي تكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس بنحو مباشر أو غير مباشر»، وبـ«عدم دعم كل من يعمل على تهديد أمن واستقرار دول المجلس من منظمات أو أفراد، سواء عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم دعم الإعلام المعادي».
وجاء قرار الدول الثلاث بسحب السفراء غداة اجتماع الدورة العادية الـ(130) للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي، الثلاثاء، في مقر الأمانة العامة للمجلس في الرياض، بمشاركة الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني، وانتهى بصدور بيان لم يظهر فيه أي نوع من الخلافات التي تستدعي سحب السفراء.
وتقول المعلومات المتداولة إن الاجتماع كان ماراثونياً امتد لـ11 ساعة، وشهد «محاولات إقناع قطر بالاستجابة للمطالب الخليجية». وبعد سجال سري طويل، وتحديداً في الثامنة ليلاً، غادر وزير الخارجية القطري خالد العطية مقر الاجتماع، وعاد بعد ساعة ونصف قضاها في مقر سفارة بلاده. وعاد وغادر الاجتماع بعد نحو ساعتين مستاءً.
تسريبات أخرى أشارت إلى أن الخلاف الحقيقي يتركز على الموقف من الوضع في مصر حيث لم تستطع كل من الإمارات والسعودية الخروج من المأزق الذي دخلتا فيه، على الرغم من تقديم المليارات لنظام الحكم. وأضافت أن اجتماع الرياض انتهى من دون اتخاذ موقف محدد، وكان من المفترض أن يقوم كل من وزيري خارجية الكويت وعمان بزيارة للدوحة أمس، إلا أن الوضع تغير بعد صدور بيان مفاجئ من الدول الثلاث: السعودية والامارات والبحرين. ويُشاع أن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل سيقوم لاحقاً بتقديم خطاب رسمي من الرياض يتضمن قائمة بمخالفات قطرية للاتفاقات الخليجية، وتعريضها الأمن السعودي للخطر بدعم المعارضة، وتوفيرها المقر والساحة المناسبة لاجتماعات وفاعليات ضد الرياض. كذلك يتداول أن الرياض قدمت ملفاً للوسيط الكويتي الشيخ صباح الأحمد الصباح يحتوي على «أدلة واضحة» على دعم قطر «لكل ما يعكر صفو الأمن السعودي، ويتضمن أيضاً معلومات عن رعاية قطرية مالية لعناصر إخوانية سعودية، وتمويل عبر أحد أفراد الأسرة القطرية الحاكمة وبعلم من القيادة في الدوحة». وبخصوص البحرين، يبدو أن الدوحة متهمة بأنها «فتحت أبواب قناة الجزيرة لدعم المجموعات الشيعية التي تعمل وفق أجندة إيرانية، وعرضت «الجزيرة» الإنكليزية فيلماً وثائقياً عن أحداث واحتجاجات البحرين في شباط 2011 حيث أظهر الفيلم أن الاحتجاجات لا تهدف سوى إلى تحقيق وتنفيذ مطالبات خدمية وإزالة التوتر المذهبي بين الشيعة والسنّة»، فضلاً عن أن «مراكز بحثية في الدوحة استضافت معارضين بحرينيين وموّلت أنشطتهم، ما اعتبرته المنامة دعماً مكشوفاً لدعاة التخريب والفوضى في البلاد».
إلى ذلك، قال مصدر دبلوماسي عربي إن هناك توجها سعودياً بضم مصر إلى مجلس التعاون الخليجي.
وأوضح المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن مسؤول سعودي كشف لمسؤولين مصريين عن هذا التوجه، موضحاً أن الرياض ستطرح على الدول الخليجية خلال القمة العربية التي ستعقد في الكويت نهاية الشهر الجاري.
(أ ف ب، الأناضول، رويترز)