عقدت حكومة «الوفاق» في طرابلس، أول من أمس، اجتماعاً استثنائياً لمجلس الوزراء، تمّ خلاله إعلان تفعيل مذكرة التفاهم الأمني والعسكري الموقعة مع تركيا نهاية الشهر الماضي. وبحلول الليل، أطلقت قوات المشير خليفة حفتر حملة جوية استهدفت تحديداً مدينة مصراتة، وشملت حوالى 14 هدفاً. وقالت قوات حفتر، في بيان، إنها أجّلت استهدافها مصراتة أكثر من مرّة، ووجّهت تحذيرات متتالية إلى أعيانها من دون استجابة منهم، وبرّرت الحملة الجوية بـ«حماية سيادة وأمن ليبيا من التدخل التركي، والردّ على إعلان حكومة الوفاق المزعوم طلب الدعم اللوجستي والفني من تركيا». ومضى البيان في شرح أهداف القصف، حيث قال إن الغارات ضربت «مواقع عسكرية يتم استخدامها لتخزين الأسلحة والمعدّات العسكرية التركية»، مضيفاً إن استهداف المدينة «سيتواصل يومياً دون انقطاع وبشكل مكثّف... نهاراً وليلاً، إذا لم تسحب (الوفاق) ميليشياتها من طرابلس وسرت خلال 3 أيام كحدّ أقصى، واعداً بألّا يتم استهداف المنسحبين من الجبهات». وتمثّل مدينة مصراتة الساحلية، التي تبعد حوالى 200 كيلومتر شرقي العاصمة، ثقلاً عسكرياً وسياسياً؛ إذ إنها تحوي أقوى التشكيلات العسكرية (تسليحاً وخبرة وعدداً) التي تقاتل إلى جانب حكومة «الوفاق»، علاوة على تولّي أبنائها مواقع مهمّة في الحكومة والمصرف المركزي ومؤسسة النفط. ويُنظر إلى مصراتة على أنها العنصر الأهم في صمود قوات «الوفاق»، لا فقط في جبهات العاصمة، بل كذلك في سرت التي تسيطر عليها تشكيلات تتبعها منذ دحر تنظيم «داعش» منها عام 2016.

لكن القصف الجوي لم يقتصر فقط على مصراتة، إذ شنّت قوات حفتر، أمس، غارات على معسكرين جنوب مدينة زليتن (150 كيلومتراً شرقي طرابلس) وجنوب مدينة سرت (450 كيلومتراً شرقي طرابلس). ومع أنها ليست المرة الأولى التي تُشنّ فيها غارات مكثّفة في مدة زمنية وجيزة، إلا أنها تحمل هذه المرة رسائل سياسية أكثر شدّة، ومن ذلك ما ورد في تصريحات الناطق باسم قوات حفتر في مؤتمر صحافي أمس عن «تحوّل المعركة من عملية عسكرية ضدّ الميليشيات، إلى جهاد مقدّس ضدّ الأتراك والخونة». هذه النزعة العدائية لمحور شرق ليبيا تجاه الأتراك ليست أمراً مستجداً، بل هي تعود إلى أعوام سابقة، لكنها تصاعدت تدريجياً، لتبلغ ذروتها مع توتر الأوضاع في شرقي المتوسط بين مصر وتركيا بعد توقيع الأخيرة مذكرة تفاهم مع حكومة «الوفاق» حول ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة لكلّ بلد. يعني ذلك احتمال وجود مساهمة مصرية في غارات اليومين السابقين، وخاصة أن الغارات تمت بطيران عمودي، فيما رصيد حفتر من هذه الطائرات متهالك ومتناقص باستمرار، كما أن دقة تصويبه منخفضة. وسبق أن قصفت مصر مواقع في ليبيا في الأعوام الماضية، لكن ذلك تمّ في نطاق محدود، وفي سياق الردّ على تنظيمَي «داعش» و«القاعدة» اللذين قتلا مواطنِين مصريّين أقباطاً، وهرّبا أسلحة استُخدمت في عمليات إرهابية داخل الأراضي المصرية.

تنفي روسيا على المستوى الرسمي دعمها لأيّ من أطراف النزاع الليبي


احتمال وجود مساهمة مصرية في القصف الجوي تُرجّحه أيضاً حكومة «الوفاق»، لكن من دون أن تُوجّه أصابع الاتهام مباشرة إلى القاهرة. إذ قالت، في بيان أصدرته في ساعة متأخرة أول من أمس، إن «القصف الجوي الغادر... قام به طيران أجنبي»، معتبرة تنفيذ هذه العمليات «دليل ضعف يعبّر عن يأس وتخبّط، ويأتي كردّ فعل على عجز الميليشيات المعتدية عن تحقيق أيّ تقدّم على الأرض، وفشل ما سمّاه (حفتر)... ساعة الحسم لدخول طرابلس». وردّاً على العمليات الجويّة، أطلقت القوات الداعمة لحكومة «الوفاق»، صباح أمس، هجوماً على مدينة ترهونة (90 كيلومتراً جنوبي طرابلس)، التي تمثّل قاعدة العمليات الأساسية لقوات حفتر بعد خسارتها مدينة غريان. وسيطرت قوات «الوفاق» على بلدتين محيطتين بالمدينة الجبلية، فيما تعوّل على انتشار مقاتلي ترهونة في جبهات العاصمة، ما قد يخلق فجوة تسمح بالتسرّب إلى داخل المدينة.
على المستوى الدولي، تشير معطيات تُقدّمها مواقع تعقّب حركة الملاحة البحرية والجوية إلى استمرار توافد البواخر والطائرات المُحمّلة بالسلاح من تركيا باتجاه ليبيا. وتعمل تركيا، منذ أيام، على التواصل مع روسيا لإيجاد أرضية مشتركة لتدخّل الأخيرة في ليبيا، على رغم أنه يُنظر إلى موسكو كداعم خفيّ لحفتر، وخاصة مع صدور تقارير حول وجود مقاتلين روس يتبعون شركة «فاغنر» الخاصة على الساحة الليبية. وهذا ما تطرّق إليه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أمس، بقوله لمحطة «إن.تي.في»، «إنهم يعملون حرفياً كمرتزقة لمصلحة حفتر في ليبيا عبر المجموعة المسمّاة فاجنر. أنتم تعلمون من يدفع لهم». وأضاف إردوغان إن «هذا هو الوضع، ولن يكون من الصواب أن نبقى صامتين أمام هذا كلّه. فَعَلنا أفضل ما يمكننا حتى الآن وسنواصل ذلك».
في المقابل، تنفي روسيا، على المستوى الرسمي، دعمها لأيّ من أطراف النزاع الليبي، وتقول إنها تفضّل التوصّل إلى حلّ سياسي. وفيما يُنتظر انعقاد حوار رسمي بينها وبين تركيا حول الملف الليبي بداية الشهر القادم، فتحت موسكو، أمس، خطّ تواصل جديداً مع حكومة «الوفاق»، عبر الرئيس الشيشاني، رمضان قاديروف، الذي اتصل أمس برئيس المجلس الرئاسي لـ«الوفاق»، فائز السراج، وأبلغه دعمه «جهود إعادة الأمن والاستقرار» إلى ليبيا، واستعداد بلاده لـ«نقل الخبرات المكتسبة في حلّ النزاعات ومكافحة الإرهاب». وقَبِل السراج دعوة قاديروف إلى زيارة الشيشان في المستقبل القريب.