الخرطوم | وسط إجراءات أمنية مشددة في مجمع محاكم أم درمان، أصدر القضاء السوداني أمس حكماً بالإعدام شنقاً على 27 من عناصر جهاز الأمن والمخابرات، وفق نص المادة 130 من القانون الجنائي بشأن القتل العمد، بعد أن ثبتت عليهم تهمة قتل المعلم والناشط السياسي أحمد الخير، من جرّاء تعذيبه في السجن حتى الموت، مطلع شباط/فبراير الماضي، كما صدر حكم بالسجن على خمسة آخرين تحت المادة 156 هي جريمة الإغواء، فيما بُرّئ سبعة آخرون. هذه الأحكام أشاعت حالة من القبول في الشارع، إذ احتشد المئات، بعضهم أتى من شرق البلاد مسقط رأس الخير، في الشوارع المحيطة بالمحكمة غرب العاصمة الخرطوم، مردّدين هتافات تؤيد الثورة وتطالب بالقصاص. التفاؤل عمّ المتابعين الذين رأوا أن الحكم الصادر بحق المتهمين «انتصار للثورة» و«بداية لأخذ حق جميع من قتلوا على أيدي القوات النظامية، وأن الحكم يعيد الثقة بالقضاء المحلي، وهو ما دفع الشهود على مجزرة القيادة العامة إلى الإدلاء بشهاداتهم لدى «اللجنة الوطنية المستقلة» المعنية بالتحقيق في انتهاكات الثالث من حزيران/يونيو الماضي.

في التفاصيل، جاء الحكم نتيجة «جهود مكثفة» بذلتها هيئة الاتهام في القبض على جميع الجناة، كما أكد عضو هيئة الاتهام المحامي محمد عالم الذي قال إنه تم القبض على 41، شطبت المحكمة الاتهام بحق ثلاثة منهم وتبقّى 38 صدرت بحقهم الأحكام المذكورة. وقال عالم لـ«الأخبار» إن المحكمة بذلت «مجهوداً كبيراً» في الوصول إلى الجناة الحقيقيين، مضيفاً أن «قاضي المحكمة قدّم مرافعة قوية اشتملت على مرافعة إجرائية مرجعية وأخرى في الدستور وثالثة في الحقوق... لا أقول إنه أقفل الباب أمام الاستئناف، لكنها كانت مرافعة قوية»، ومعتبراً أن قضية الخير «أول قضية في ملف الشهداء تكون واضحة المعالم». يذكر أن الدفاع قدّم عدداً من الدفوعات أثناء المحكمة لإخلاء سبيل بعض المحكوم عليهم بالسجن من أجل النظر فيها خلال الاستئناف. لكن عالم قال: «وفق درايتي بالقضية، لا أرى أملاً في الاستئناف، لأن تقديرات القاضي مقبولة... هيئة الدفاع قدموا مذكرات قوية لكن قضيتهم خاسرة منذ البداية». كذلك نقل المحامي سعادة أسرة «شهيد الثورة» وقبولها بالحكم، مشيراً إلى أن شقيقه سعد ذكر الطريقة التي أخبروا بها بموت أخيه وأنها اتسمت بـ«قلة المبالاة».

رحّب «تجمّع المهنيين» بالأحكام ووعد بالقصاص لبقية «شهداء الثورة»


يذكر أن أهل المعلم المقتول فوّضوا إلى الأمانة العدلية في حزب «المؤتمر الشعبي» بوصف ابنهم عضواً في الحزب، ولذلك تم تحريك القضية قبل سقوط النظام، لكن الأمانة العدلية رأت أن تكون هيئة الاتهام قومية، ولذلك جرى الاتصال بقانونيين من عدد من الأحزاب، كحزب «الأمة» و«الشيوعي» وكذلك بمستقلين، شكلوا جميعاً هيئة الاتهام. ووسط دموعه، طالب شقيق الخير بالقصاص بعد تلاوة القاضي حيثيات الحكم وتوجيه السؤال إليه بصفته ممثل أولياء الدم أن المحكمة وجهت تهمة القتل العمد ومن حقهم المضي في المطالبة بحقهم بالقصاص أو العفو، فطالب بالقصاص. أحد أفراد الأسرة، ويدعى خالد إبراهيم، قال إنهم راضون بالحكم حتى لمن تمّت تبرئته، «لأن المحكمة وجدت أن هناك أفراداً لم يرتكبوا فعلاً تسبّب في الوفاة»، مستدركاً أنهم تعرضوا لمضايقات منذ قرروا فتح البلاغ. وتابع إبراهيم: «هيئة الاتهام خاطبت جهاز الأمن بثلاثة خطابات لتسليم اللائحة بأسماء القوة التي كانت في مدينة كسلا وتحركت إلى خشم القريبة حيث عذبوا المعتقلين... جهاز الأمن لم يستجب، ورفض رفع الحصانة عن منسوبيه، وطلب تشكيل محكمة خاصة»، مشيراً إلى أن هيئة الاتهام نفسها تعرضت لضغوط «لدرجة لم تستطع فيها إحالة البلاغ من كسلا إلى الخرطوم، لكنها صمدت ورفضت التقرير الأوّلي للجنة الأمنية التابعة للمجلس العسكري، وفيها أن سبب الوفاة هو التسمّم، إلى أن سقط النظام وحُوّلت القضية إلى المحكمة العامة العدلية».
تعقيباً على الأحكام، قال «تجمع المهنيين السودانيين»، الذي نظّم الحراك الثوري، إنه يرحّب بإعدام قتلة الخير، وإنه بذلك «تكون الثورة قد أوفت دينها للشهداء... الحكم يعيد المهنية العالية إلى القضاء السوداني والثقة به»، مضيفاً في رسالة إلى «ذوي شهداء ثورة ديسمبر»، أن «يوم العدل دانٍ». كذلك، رأى عضو «المجلس السيادي» محمد الفكي، أن «القصاص هو مطلب الثورة العادل وتحقيقه واجبنا جميعاً».



الاشتباكات القبلية تتجدّد غرب دارفور
بينما أعلنت سلطات ولاية غرب دارفور (غرب) حظراً للتجوال أمس اعتباراً من الخامسة مساءً حتى السادسة صباحاً، أعلن «المجلس السيادي» الدفع بقوات للسيطرة على الأوضاع الأمنية في الولاية إثر اشتباكات قبلية كبيرة، قائلاً إن «قرار إرسال القوات جاء في اجتماع طارئ، برئاسة عضو المجلس محمد حمدان دقلو ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك في القصر الرئاسي بالخرطوم، بشأن الأحداث في مدينة الجنينة بالولاية»، وإنه «تقرر تعليق مفاوضات السلام مع حركات الكفاح المسلح لمسار دارفور لـ24 ساعة». وبدأت الأحداث في الجنينة بصراع بين شخصين، لكنه اتّخذ طابعاً قبلياً بين منتمين إلى مجموعات عربية وأخرى أفريقية، ما أدى إلى سقوط ضحايا وجرحى بالعشرات. وينوي حمدوك ودقلو زيارة المدينة، لكنهما لم يحدّدا موعداً، في وقت تقرر فيه تشكيل لجنة تحقيق برئاسة النيابة العامة، تضم ممثلين عن وزارة العدل والقوات المسلحة وقوات «الدعم السريع» والمخابرات العامة والشرطة لتحديد المسؤولية ومحاكمة الجناة. كذلك، أعلنت «الجبهة الثورية» التي تضم ثلاث حركات مسلحة رئيسية في دارفور تعليق المفاوضات مع الحكومة الانتقالية في جوبا.
(أ ف ب، الأناضول)