لم تُخْفِ إسرائيل ارتياحها ورضاها في أعقاب الاعتداء الأميركي على مواقع تابعة لـ«الحشد الشعبي» في العراق وسوريا، إذ سارع وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بشكل لافت، إلى وصف الاعتداء بأنه «نقطة تحول» في سياق مواجهة إيران في المنطقة. لكن هذا الترحيب لا يحجب القلق من الآتي، وخصوصاً أن المعركة لن تتوقف عند حادثة الأحد، بل إن من شأن الأخيرة تسعيرها ودفعها نحو مزيد من التصعيد، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام فرضيات تثير خشية تل أبيب. من هنا، يتحدث خبراء إسرائيليون عن ضرورة الانشغال بردّ الفعل المقبل على الاعتداء الأميركي أكثر من الانشغال بالاعتداء نفسه، في الوقت عينه الذي يطرحون فيه تساؤلات حول السبب الذي دفع الأميركيين إلى القيام بما قاموا به على نحو يجعل ردّ الفعل حتمياً.

الواضح إلى الآن أنه لا يمكن الفصل بين ما قالته إسرائيل وعمدت إلى فعله ميدانياً في الفترة الأخيرة ضدّ «الحشد الشعبي» بهدف تقليص حضوره وتحجيم قدراته العسكرية، وبين الاعتداء الأميركي، وخاصة أن وتيرة الزيارات المتبادلة بين مسؤولي الجانبين، وتحديداً العسكريين والأمنيين، بدت أخيراً لافتة إلى حدّ يتعذّر معه فصل ما حدث عن الإرادة الإسرائيلية التحريضية ضدّ «الحشد». الواضح أيضاً أن الولايات المتحدة أرادت تعزيز ردعها على الساحة العراقية، ومن خلالها على ما يحيط بها. لكن في الوقت نفسه، لا يبدو أن واشنطن معنيّة بتصعيد قد تستدرجه الضربة الأخيرة، من شأنه ربما الإتيان بمفاعيل عكسية على الردع الذي أرادت تعزيز مستواه ليحول دون استهداف قواتها في العراق كما في المنطقة، والتسبّب أيضاً بعودة المقاربة العراقية المتصلة بمقاومة الاحتلال الأميركي إلى سابق عهدها في سنوات الماضي غير البعيد.

لا يمكن الفصل بين ما قالته إسرائيل وفعلته في العراق وبين الاعتداء الأميركي


وبعيداً عن صحة حديث واشنطن عن العمليات التي استهدفت قواتها في العراق، والتي تقول إنها وصلت إلى 11 هجوماً كادت تكون «مميتة» حتى الهجوم الأخير الذي قتل متعاقداً أميركياً وجَرَح آخرين، لم يكن أمام الولايات المتحدة، فعلاً، إلا الردّ، بما يؤدي، من وجهة نظرها، إلى ردع المهاجمين. وقد مثّلت شدّة الضربة ومكانها وهوية الجهة المستهدفة بها (كتائب حزب الله) نتيجة لخلطة من الدوافع والمسبّبات، وكذلك الأهداف المراد تحقيقها، علماً بأن اللاردّ هذه المرة على سقوط قتلى أميركيين كان من شأنه نقل الهجمات إلى مستويات إيذاء أعلى. على خلفية تلك المعطيات، يمكن القول إن القرار الأميركي مَثَّل محاولة في سياق تحويل التهديد إلى فرصة، لكن السؤال: هل استطاعت واشنطن بالفعل إنجاز ذلك؟ ردّ الفعل على الاعتداء الأميركي، سواء المباشر منه في المدى القريب، أو غير المباشر على المديات المتوسطة عبر تفعيل رافعات الضغط الميداني التي لا ينكر أحد وجودها، هو فقط الذي يحدّد ما إن كان التهديد قد تَحوّل إلى فرصة. يبدو أن الولايات المتحدة اضطرت إلى المراهنة على إمكانية غلبة عامل الردع، في مقابل خشيتها من التصعيد الذي قد يستجلبه الردّ على الاعتداء؛ فإن تَعزّز الردع، تكون المصلحة الأميركية قد تحقّقت، وإن أدّى الاعتداء إلى ردود فعل تصعيدية، فربما ينفتح الباب على خيارات أكثر انكفائية طالما طالب بها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل تولّيه الرئاسة وبعده.
بالعودة إلى إسرائيل، يبدو واضحاً أنها ترى في الاعتداء الأخير ضرورة لم يكن من الممكن الامتناع عنها في وجه الأعداء المشتركين على الساحة العراقية، لكنها في الوقت نفسه لا تخفي قلقها من الآتي. هذا ما يمكن فهمه من حديث الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، والرئيس الحالي لمركز أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، اللواء عاموس يدلين، الذي رأى أن الرسالة الأميركية هي أنه عندما تتجاوز إيران «خطّنا الأحمر»، أي قتل أميركيين، فإن «الضغط الأقصى» الذي كان دبلوماسياً واقتصادياً فقط يمكن أن يتوسّع إلى بُعد حركي (ناري)، مع هدف استراتيجي: ردع الإيرانيين ووكلائهم (العراق)، مستدركاً بأنه كما في كلّ خطوة تحاول فيها تحقيق ردع، هناك أيضاً احتمال تصعيد. وعليه، ومن دون «التوهّم» بأن الأميركيين عَبَروا الحدّ الحاسم وسيعملون من الآن فصاعداً عسكرياً ضد إيران، «علينا الاستعداد لإمكانية أن تغادر الولايات المتحدة العراق مثلما غادرت سوريا، وعلينا البقاء خارج المواجهة، والحذر من أنشطة غير منسّقة مع أميركا ضد التمركز الإيراني في العراق»، وفق ما شدّد عليه يادلين.