ريف دمشق | اختلف مبدأ محاسبة الأشخاص الذين انخرطوا في العمل المعارض، المدني والمسلّح، في سوريا، مع اختلاف المكان، واختلاف مراحل الأزمة. في بعض الحالات تطور هذا الاختلاف، إلى درجة المفارقة والتناقض؛ ففي أروقة الدوائر الأمنية، قد يدفع مواطن ثمناً باهظاً لـ«مزحة» فيها «مسحة معارضة»، فيما قد يخلى سبيل مجرم خطير مرات عدّة، بعد اعتقاله في كل مرّة متلبساً بجريمة واضحة!


ومن المفارقات، أيضاً، أن الكثير من المعتقلين أو المطلوبين للأجهزة الأمنية «لا يجدون سبيلاً لتسوية أوضاعهم، أو حتّى الخضوع لمحاكمة عادلة تريحهم من عبء الملاحقة والاحتمالات المفتوحة»، فيما «تدفع الضرورات السياسية إلى تسوية أوضاع آلاف المسلّحين الذين قاتلوا الجيش، ولا يزال معظمهم يحمل سلاحه في منطقته. بل إن بعضهم بات يتقاضى راتباً شهرياً، بموجب انضمامه إلى تشكيلات عسكرية جديدة رديفة للجيش السوري»، بحسب ما يقول فرج شعبان، الناشط في مصالحات ريف دمشق.
ويلحظ المتابعون أن العديد من المدنيين المطلوبين، بسبب وشاية أو «تقرير» كتب بهم، لسبب تافه، مثل التلفّظ بكلمة «ليست في محلّها»، باتوا يحسدون المسلّحين على حسن المعاملة التي تقابلهم بها أجهزة الدولة. وهذا ما حدا كثيراً من هؤلاء إلى الزعم أنهم حملوا السلاح علهم ينالون «من الحب جانباً». يتحدث حسن، من جديدة عرطوز في الريف الغربي لدمشق، لـ«الأخبار» عن مشاركته، قبل عامين، في تصويت في «فايسبوك» على الموقف من بقاء حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع، كما كان ينص الدستور القديم. «أجبت بالرفض، وعلمت بعدها أن شخصاً من معارفي كتب تقريراً بالموضوع لأحد فروع الأمن»، حينها لم يحدث شيء، «حتّى قام الفرع باستدعائي للتحقيق، قبل نحو ستّة أشهر، وأصرّ والدي على الذهاب إلى الفرع لتسوية المسألة. ذهبنا لنفاجأ بأن التقرير أورد تهمة المشاركة في التظاهرات». بقي حسن مدّة أسبوعين معتقلاً في الفرع، وأفرج عنه، ثمّ استدعي مرّة أخرى بالتزامن مع إعلان تسوية أوضاع عشرات المسلّحين السابقين في جديدة عرطوز، «حينها نصحنا الوجهاء بالادّعاء أني كنت مسلّحاً. أعدّوا لي إضبارة، وسوّي وضعي». ولا يخشى حسن اليوم من إعادة اعتقاله من جديد «لأن الأمر، إذا حصل، سيكون خرقاً مسجّلاً في الاتفاق الذي أبرم مع الدولة»!
ولا يقتصر الأمر على الأشخاص فقط، بل ينسحب على البلدات الواقعة تحت سيطرة الدولة، لكن قسماً من أبنائها في عداد المطلوبين للأجهزة الأمنية. فهذه البلدات أيضاً تحسد تلك التي شهدت تسويات. يقول أحد وجهاء بلدة التل، شمال شرقي دمشق، لـ«الأخبار»: «لا نستطيع القول إننا نطالب بتسوية مع الدولة، فنحن لسنا على خلاف معها، ونتبع لإدارتها». إلّا أن الكثير من القضايا لا تزال في حاجة حقيقية إلى تسوية، كأوضاع المعتقلين والمطلوبين، «الأمر الذي دفعنا إلى استثمار تسوية برزة، لحل بعض من هذه القضايا».
ويشمل وصف «مسلّح» في بنود التسويات التي شهدتها بعض مناطق ريف دمشق، كل الذكور الذين تراوح أعمارهم بين 15 و55 عاماً، ذلك أنّ من الصعب الفرز بين المسلّحين والمدنيين في الوقت القصير نسبياً الذي يستغرقه انجاز التسويات، وعلى هذا الأساس فإن كلّ الرجال، مسلّحين وغير مسلّحين، ينبغي لهم أن يتعايشوا مع «دمغة التسلّح» حتى تسوّى أوضاعهم لدى الدولة، وقد ترد أسماء لأشخاص غير قادرين على استخدام السلاح أو التعامل معه، كالمرضى والعاجزين، إلّا أن الجميع يتغاضى عن هذه المسألة بما أنها باتت تمثّل مخرجاً آمناً من رعب التصنيفات الأخرى. في هذا السياق، يقول سليم بدّاوي، الذي يعاني قصوراً كلوياً، من المعضميّة، لـ«الأخبار»: «لم أحمل أي سلاح يوماً، ولا أقوى على ذلك، لكنني سويت أوضاعي مع المسلّحين». ويبرّر ذلك بالقول: «ما الفرق بالنسبة إلي؟ أنا كنت مطلوباً للدولة لكوني قاطناً في منطقة تحت سيطرة المسلّحين، فهل يعقل أن ينجو المسلّحون من قصاص الدولة وأنا لا؟». أما سليمان البرزاوي، وهو مسلّح من برزة، فيروي لـ«الأخبار» قصّة أخيه الذي اعتقله الأمن في وقت سابق بسببه، فيقول: «اليوم لا أعلم أين أراضيه، أمّا أنا فسوّيت وضعي».
وفي المناطق التي شهدت مصالحات في ريف دمشق، سوّيت أوضاع كل المسلّحين المحليين، فيما ملف المعتقلين المدنيين لم يغلق بعد. العشرات من المعتقلين مكث بعضهم في السجون لأسباب واهية: بطاقة شخصية مكسورة، ملاسنات مع عناصر الحواجز، آراء على «فايسبوك»، وغيرها من الأسباب. إحدى أشهر القصص التي يتندّر بها الدمشقيون عن رجل من حرّان العواميد، في الغوطة الشرقية، اعتقل لأنه مازح عناصر الحاجز على نحو فظ، فقد كان يحمل سلة فيها بيض بلدي يغمره القش، فسأله العنصر عمّا يوجد داخل السلّة، فرد: «قنابل»، الأمر الذي أثار استنفار عناصر الحاجز لدقائق، إلى أن علموا أنها مزحة، لكنها كلّفته الاعتقال.