الحديث مع طلال سليم، ابن قرية بلوطة في ريف اللاذقية، يبدو مهمة مربكة. لكن الهدوء والتوازن اللذين يطبعان حديث الرجل يخلفان دهشة كبيرة. سليم فقد في مذابح ريف اللاذقية الشمالي أكثر من أربعين فرداً من عائلته الكبيرة، بين ضحايا و«سبايا». وأقسى ما في حكايته أن زوجته وأبناءه الأربعة (ثلاث فتيات وصبي) كانوا بين المخطوفين الذين لا يعرف عن مصيرهم شيئاً.


يروي لـ«الأخبار» أنّه اتفق مع زوجته على انتقالها والأطفال للإقامة في القرية منذ صيف عام 2012، لأنها «أكثر أماناً»، خصوصاً بعدما وصلت موجة التفجيرات وقذائف الهاون إلى حي «المزة 86» الذي يقيمون فيه في دمشق، فيما بقي هو في دمشق، حيث عمله (صاحب دكان صغير لبيع أدوات التجميل). يقول: «كانوا يرون القرية المكان الأكثر أمناً في العالم، ولم نكن نخشى من هجوم جيراننا أبناء قريتي سلمى ودورين. فالعلاقات بيننا وبينهم تاريخية وودودة». قبل الهجوم الكبير، في آب الماضي، على قرى الريف اللاذقاني بعشرة أيام اتصلت زوجة طلال به، وأخبرته عن تهديدات يرسلها المسلحون باجتياح القرى. «استبعدت ذلك لأسباب عدّة، أهمها وجود نقطتين عسكريتين للجيش والدفاع الوطني في المنطقة»، يقول.
اتفق الرجل مع زوجته على أن تصطحب الأطفال إلى بيت شقيقتها في مدينة اللاذقية. وحين مّر أسبوع من دون حدوث شيء، عادت العائلة إلى القرية: «لم نكن نرغب في أن نكون ضيوفاً ثقيلين على أحد. وتوقعنا أن التهديدات لا تعدو كونها مجرد كلام». عادت الأسرة إلى بلوطة يوم الجمعة. ووصل «الغزاة» من «أحرار الشام» و«صقور العز» و«داعش» في اليوم التالي. «كنت نايم وحاطط موبايلي صامت. فِقْت لقيت 18 مكالمة لم يرد عليها من هاتف أخي. اتصلت فأخبرتني زوجة أخي ما حصل». اتصل طلال على الفور بزوجته: «4 مرات ما حدا رد. خامس مرة فتحلي الخط وسمعني صيحات التكبير وبكاء زوجتي وبناتي».
الساعات التي أمضاها الرجل في الطريق من دمشق إلى قريته كانت الأقسى في حياته: «طوال الطريق كنتُ أتخيل ماذا عساني أقول لطفلي الأصغر (4 سنوات) إذا أصابه مكروه؟ لماذا تركتُهم؟ وكيف سيفهم طفل في عمره أنني فعلت ذلك من أجل لقمة العيش؟». وصل إلى قرية عرامو، القريبة من قريته، حيث رأى وحدة من الجيش السوري متمركزة هناك، ولا إمكانية للاقتراب أكثر نحو قريته. «سألتن شو؟ قالوا الجيش بدأ عملية في القرية، لا تخف». لأربعة أيام متتالية كان طلال يقف على قمة تبدو منها قريتُه، ولا يفعل شيئاً سوى النظر في اتجاه منزله: «ما شوف إلا دخان وحرائق».
بعد أن انتهت المعركة بانسحاب المسلحين، تكشف الدخان عن المجازر التي ارتُكبت. وأكّد له بعض أبناء القرية الذين استطاعوا الهرب والاختباء في الأحراج المجاورة أنهم شاهدوا مسلحين يختطفون أسرته، فيما كان عدد كبير من أفراد عائلته من بين ضحايا المجزرة: «أبي و3 من إخوتي. عمتي وعمي وأولاده. خالي وأولاده. ابنتا أختي... كلهم كانوا جثثاً هامدة». يتساءل الرجل بوجهٍ بلا ملامح: «ما الذي استفادوه من ذبح عمتي (85 عاماً)، أو أخي ذي الإعاقة الذهنية؟ أو أخي الآخر ذي العين الواحدة؟».
حتى اليوم يجهل طلال مصير زوجته (عواطف) وابنته الكبرى (لجين). يقول: «زوجتي شهيدة على الأغلب. كان من بين الجثث جثة مشوّهة لسيدة قدّر الطبيب الشرعي أن عمرها 40 عاماً، وعُثر في جيبها على قطعة ذهبية أظن أنها لزوجتي. وكانت في جوارها جثة مشوّهة أيضاً لطفلة قدّر الطبيب أنها في الرابعة عشرة، وعمر ابنتي ثلاثة عشر عاماً». المؤكد أن ابنتيه (حنين 9 سنوات، وجوى 7 سنوات) مختطفتان، وكذلك ابنه (وجد 4 سنوات). يقول: «حين سمح الخاطفون لابنتي الوسطى بأن تكلمني، سألتها عن أمها وشقيقتها الكبرى، فقالت إنها لم ترهما منذ ذلك اليوم المشؤوم».

الظهور الأول عبر «الجزيرة»

كان أول ظهور للمخطوفين عبر قناة «الجزيرة» التي بثّت شريطاً بعد الاختطاف بأقل من شهر ظهرت فيه إحدى بنات طلال. وفي اليوم التالي بثّت قناة «أورينت» شريطاً آخر، مدته أطول. بعدها بأيام، كان الاتصال الأول من الخاطفين: «تحدث معي أحدهم من رقم هاتف تركي. وقال لي: لم يبق لديك سوى طفلة واحدة، كانت مصابة وعالجتُها. وطلب مني أربعة ملايين ليرة سورية مقابل إطلاقها. قلت له لا أملك 100 ألف ليرة، فأنهى الاتصال». منذ ذلك الوقت تكررت اتصالات الخاطفين، ودائماً من أرقام تركية: «كل شهرين أو شهر ونص بيتصلو وبيخلونا نحكي دقيقة أو دقيقتين من رقم تركي. في الاتصال الثاني قال لي: لا نريد فدية، نريد مبادلة الرهائن بمسلحين معتقلين عند النظام».

جهود بلا طائل

خلال الشهور الفائتة، حاول ذوو المخطوفين الوصول إلى حلّ، من دون جدوى. كانت العقبة الأساس أن المسلحين يغيّرون طلباتهم باستمرار. مرة يطلبون إطلاق سراح ليبيين يقولون إنهم لدى النظام، وأخرى يطالبون بأتراك، وثالثة بشيشانيين. ومرة يطلبون إطلاق سراح جميع المعتقلين من قريتي سلمى ودورين. يقول طلال: «مرة طلبوا إطلاق قائمة فيها 25 سجيناً. لكن محافظ اللاذقية، بعد أن أجرى اتصالات طويلة، أكد لنا أن ثمانية من هؤلاء ليسوا في يد الدولة». ذهب عدد من أهالي المخطوفين إلى بيروت، وعقدوا مؤتمراً صحفياً، لكنه لم يحقق الصدى المأمول منه. «كأن القضية لم تُغرِ الإعلام»، يقول طلال.
الجهود لم تقف عند هذا الحد، فقد التقى الرجل سفير روسيا لدى لبنان في تشرين الثاني الماضي، وسلمه قائمة بأسماء المخطوفين. ووعده بأن تبذل السفارة والخارجية الروسية جهدهما. كذلك التقى السفير الإيراني لدى دمشق في كانون الثاني، وسلّمه مذكرة من أهالي المخطوفين، يطلبون فيها أن تبذل طهران جهودها لدى تركيا، لعل الأخيرة تلعب دوراً إيجابياً. ولم يحدث شيء حتى اليوم.

الخاطفون يرفضون التعامل مع المفتي

اختير مفتي اللاذقية الشيخ زكريا سلواية مفاوضاً عن الدولة السورية. لكنّ المسلحين رفضوا التعامل معه بحجة أنه «عميل للسلطة». ثم طلبوا أن يكون التفاوض عبر الهلال الأحمر السوري. يقول طلال: «أبدى رئيس المنظمة عبد الرحمن العطار استعداده للمحاولة، شريطة أن نحصل على تفويض له من وزارة الخارجية السورية». ويشرح مصدر مطّلع على عمل الهلال الأحمر لـ«الأخبار» أن «للهلال الأحمر حساباتها ومخاوفها، خاصة أن المنظمة سبق لها أن كانت وسيطاً لعقد مصالحات في بعض المناطق. لكن الأمن السوري قام بعدها باعتقال بعض أبناء تلك المناطق. وكان ردّ المسلحين باغتيال أعضاء لجان المصالحات».
أما وزير المصالحة علي حيدر، فقد أبلغ ذوي المخطوفين أن «القضية باتت قضية دول، وأكبر من حدود عمل الوزارة». آخر محاولة قام بها ذوو المخطوفين للفت انتباه المسؤولين إلى قضيتهم، الاعتصام آخر الشهر الماضي في حي «المشروع العاشر» في اللاذقية. لكنّ المُعتصمين أنفسهم لم يكونوا متفائلين بحصد نتيجة من ذلك الاعتصام، خاصة أنه أقيم في حي ناءٍ، وأن البعض حوّله إلى مناسبة لإذاعة الأغاني الوطنية، وعقد حلقات الدبكة!

ظهور جديد عبر «الجزيرة»

بثّت قناة «الجزيرة» أول من أمس تسجيلاً مصوراً يعود تاريخه إلى أواخر كانون الثاني الماضي، ويظهر فيه 94 طفلاً وسيدة من المختطفين (يؤكد سليم أن عدد المخطوفين 140، وأن المسلحين سبق أن اعترفوا بوجود 103 في قبضتهم). القناة القطرية نقلت عن مصادر لم تسمّها أن الخاطفين يطلبون الإفراج عن 2000 معتقل، نصفهم من النساء والأطفال، مقابل إطلاق سراح المخطوفين الـ94.

الكرة في ملعب الدولة

يؤكد طلال سليم إيمانه بأنه سيلتقي أطفاله من جديد. نسأله عن تصوره لحل القضية، فيجيب: «لا أدري. أنا وجميع ذوي المخطوفين نشعر بالحيرة والضياع، وتهمنا النتيجة. أما الطريقة، فمن المسلم به أنها مهمة الدولة التي يُفترض بها أن تجد حلاً لمواطنيها». ثم يضيف الرجل بعد شرود طويل: «مرة كنت عم إحكي مع بنتي، وكانت عم تبكي. قلتلا بابا اصبري، رح أجي آخدك. قالت: عم أصبر، بس لا تجي بخاف عليك».