عمّان | انقضى «لقاء عمّان الأخوي العائلي للبطاركة الأرثوذكس وممثّليهم من أجل الحوار والوحدة»، والذي دعا إليه بطريرك المدينة المقدّسة وسائر أعمال الأردن وفلسطين، رئيس مجلس رؤساء الكنائس في القدس والأردن ثيوفيلوس الثالث، بأقلّ ضجة ممكنة، مع أنه جاء تحت رعاية ملكية من عبد الله الثاني، وبدعم من بطريركية موسكو. اللقاء، الذي عُقد في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، تزامن مع إعلان إسرائيل بناء وحدات استيطانية في مدينة القدس المحتلة، بالقرب من «الخط الأخضر» جنوب قرية بيت صفافا، وتحديداً على أراضي دير مار سابا التي تعود ملكيتها إلى البطريركية الأرثوذكسية، وتمّ تسريبها عام 1974 على يد البطريرك اليوناني آنذاك، فنيذكتوس، بعدما أجّر الأرض لإسرائيل 135 عاماً. مع ذلك، لا تتورّع البطريركية الأرثوذكسية عن الادّعاء أن الأمر «إشاعات لإضعاف أمّ الكنائس»، على حدّ تعبير المتحدث باسم بطريركية الروم الأرثوكس المقدسية، الأب عيسى مصلح.

حضر اللقاءَ مطران عمّان خريستوفوروس عطالله (الديوان الملكي)

وجاء الاجتماع الكنسي ليخلط أوراقاً كثيرة داخل المرجعيات المسيحية في الإقليم وارتباطاتها بكلّ من روسيا والولايات المتحدة؛ إذ حضرته ستّ مرجعيات دينية تمثل موسكو وسائر روسيا، والقدس، والصرب، وأراضي التشيك وسلوفاكيا، فيما اعتذرت البطريركية المسكونية (المقرّبة من اليونان والإمارات والولايات المتحدة) عن الحضور. ومن الواضح أن ثيوفيلوس يقارب علاقته مع موسكو من زاوية الصراع بين روسيا وأوكرانيا، وانشقاق الكنيسة الأوكرانية عن الروسية بدعم أميركي. وهو توجّه من الصعب أن يتقرّر بعيداً من دون موافقة أردنية عليه، ولا سيما مع وجود مطران عمّان، خريستوفوروس عطالله، في اللقاء.
اللعب على التناقضات الذي يمارسه ثيوفيلوس يبدو مفهوماً، جرّاء اللوم الذي يتعرّض له باستمرار بسبب بيع الأوقاف، وتهم الفساد المالي والإداري المُوجّهة إليه، وانفتاحه على تل أبيب. ومع أنه يتمتع بحماية من القصر في الأردن ومن السلطة الفلسطينية، إلا أنه يظلّ مهدّداً، وهو يحاول ترتيب أوضاعه في ضوء إعلان «صفقة القرن» الأميركية، وهذا ما يفسّر استعانته بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، واللقاءات الأخيرة بينهما، وتوسّطه للإفراج عن الإسرائيلية نعمة يسسخار (27 عاماً) التي اعتُقلت في موسكو قبل إطلاق سراحها في كانون الثاني/ يناير الماضي. والظاهر أن ثيوفيلوس، الذي يدرك جيداً تشابك الخريطة المسيحية في المنطقة وحساسيتها وتداخلها مع مصالح عدة، يحاول من خلال تقاربه مع موسكو إغراء بطريركية أنطاكيا - القريبة من روسيا - بإعادة «كنيسة قطر» (بدأ حياته الكنسية بصفة أرشمندريت فيها) التي كانت البطريركية اليونانية قد صارت مرجعيّتها. ومع أن ثيوفيلوس يوناني، إلا أن ذلك لا يمنعه من خوض هذه المساومة في ظلّ التوازنات الحالية التي لا تميل إلى مصلحة اليونان. وهو يسير في هذا التوجّه مدركاً حجم التهديد الذي تشعر به أنطاكيا من جرّاء الانفصال اللبناني عنها، والتنازع الدائر داخلها بين تيار أقرب إلى الأميركيين و«عرب الاعتدال»، وبين تيار أقرب إلى الروس والدولة السورية. أما روسيا، عرّابة «لقاء الأخوة» في عمّان، فتريد كسب كنيسة أوكرانيا إلى صفّها ومنع انشقاقها، إضافة إلى تثبيت نفسها في المنطقة من بوابة تزعّم أرثوذكس العالم، وجعل القدس تحت سيطرتها غير المباشرة. ولذا، تعمل موسكو في اتجاهين: استقطاب ثيوفيلوس، واستمالة نحو مليون روسي في إسرائيل جزء كبير منهم مسيحيون أرثوذكس وليسوا يهوداً، فيما لا يمكن إغفال حرصها على علاقة متوازنة بتل أبيب، والمرتبط في جزء منه بجهود لوبي صهيوني في روسيا نفسها.
أياً يكن، انتهى اللقاء بشكل بروتوكولي وعلى نحو يحتمل تأويلات كثيرة، لكن الثابت أن ثيوفيلوس يسعى إلى الحفاظ على علاقة جيدة مع جميع الأطراف، ما يثير شكوكاً في جدّية قبوله التنازل عن «كنيسة قطر» لبطريركية أنطاكيا، وخصوصاً أنه يحرص على استمرار ارتباطاته الهيلينية (اليونانية)، مع البطريرك المسكوني بيرثلامواوس تحديداً، فضلاً عن علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات بما يوفر له الدعم والشرعية اللذين يحتاج إليهما.