لم يمتد الوقت طويلاً، حتى اكتشفت إسرائيل خيبة رهاناتها وخطأ تقديراتها إزاء مرحلة ما بعد اغتيال قائد «قوة القدس» اللواء قاسم سليماني، على أكثر من مسار. فلا إيران تراجعت وارتدعت عن مسارها النووي ولا خياراتها الاستراتيجية، ولا مسار تعاظم قدرات محور المقاومة تباطأ أو توقّف. وأظهرت الانتصارات التي سجّلها الجيش السوري وحلفاؤه، ضد الجماعات الإرهابية في منطقة إدلب، أن التعاون الذي كان قائماً لا يزال يتجدّد مع كل محطة. وسلب هذا الإنجاز الميداني، والسياسي، العدو الرهان على إمكانية أن تتحوّل هذه الجبهة إلى قيد على محور المقاومة في خياراته العملانية المضادة.

قد يكون الاهتمام الانتخابي والداخلي حرف الاهتمام الإعلامي الإسرائيلي، نسبياً، بالمسارات الإقليمية. لكن ذلك لا يعني أنه ينسحب على عمل المؤسسات الأمنية والعسكرية، والسياسية ذات الصلة. وهو ما انعكس في تناول معلّقين مختصين بالمستجدات على هذه المسارات، إذ كشف المعلّق الأمني في موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، عن خيبة سادت في المؤسّستين السياسية والأمنية في تل أبيب، جرّاء استمرار تعاظم قدرات محور المقاومة، والتعاون الذي برز بين أطرافه في مواجهة الجيش التركي وحلفائه.
تعود هذه الخيبة إلى الآمال التي كانت تعقدها تل أبيب على أن تؤدي الضغوط الاقتصادية وغياب سليماني، إلى فتح نافذة فرصة يمكن أن تدفع طهران إلى إعادة النظر في سياساتها الإقليمية، وفي سوريا تحديداً. لكن استمرار التعاون بين طهران ودمشق أدى إلى تبخّر هذه الآمال، واستبدلت بارتفاع منسوب القلق من مسار التطورات.

بات واضحاً في تل أبيب أن نشاطات «قوة القدس» لا تزال تتمتع بالزخم نفسه


بعيداً من تقييم هذا المستوى من الرهانات ومنشأ الوقوع في هذه التقديرات الخاطئة، وعلاقتها بمحدودية الخيارات الإسرائيلية، بات واضحاً في تل أبيب أن نشاطات «قوة القدس» لا تزال تتمتع بالزخم نفسه الذي كانت عليه قبل اغتيال سليماني، كما أكد ذلك الموقع نفسه.
في السياق ذاته، تناول بن يشاي مسارات التعاون بين دمشق وطهران، وتوقّف عند ما سمّاه إيجاد قدرات تشكّل تهديداً للجيش الإسرائيلي على الحدود في الجولان. وما سمّاه أيضاً مسار نقل وسائل قتالية متطورة إلى حلفائها في سوريا عبر الجو. وإذا ما تجاوزنا الخلفيات التحريضية في الحديث عن الأسلحة الكيميائية، تناول موقع «يديعوت» أيضاً إنتاج الصواريخ الدقيقة في سوريا، والذي ترى فيه تل أبيب تهديداً استراتيجياً من الدرجة الأولى لجبهتها الداخلية.
وتوقّف بن يشاي عند التقدّم النووي المتواصل في طهران، ورأى أنه يفرض على تل أبيب وواشنطن التخطيط والتنسيق بخصوص كيفية العمل في لحظة الاستحقاق، وتحديداً في الوضع الذي تستطيع فيه إيران القفز خلال أسابيع على مسار إنتاج أسلحة نووية.
وبالاستناد إلى تقرير «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» حول تقدّم إيران في هذا المسار، رأى بن يشاي أن هذا القرار قد يحين وقته هذا العام، وهو ما يفرض على الجيش التخطيط وبسرعة للمواجهة مع إيران نفسها، ومع حلفائها في الجبهة الشمالية. وتتلاقى هذه الدعوة مع تقدير شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، الذي يرى أن إيران تقوم حالياً بـ«زحف» نووي لهدف مزدوج: الضغط على ترامب عبر الاتحاد الأوروبي للعودة إلى الاتفاق النووي، والتقدّم النووي الذي ترى فيه تل أبيب تهديداً كونه يمنح إيران القدرة على إنتاج أسلحة نووية، خلال وقت قصير جداً.
مع ذلك، يبقى فشل الرهان، الذي لم يتم تناوله حتى الآن في تل أبيب، على الدخول المباشر للجيش التركي في المواجهة العسكرية ضد الجيش السوري وحلفائه في منطقة إدلب. فقد كان السيناريو الذي تأمله تل أبيب أن تتطوّر المواجهات باتجاه أحد سيناريوهين: انتصار الجيش التركي وحلفائه، أو التورّط في مواجهة واسعة ومفتوحة. في كلتا الحالتين، كان يمكن للإسرائيلي أن يراهن على أن يؤدّي ذلك إلى اتساع هامش المناورة والمبادرة، استناداً إلى فرضية أن تؤدّي الجبهة المفتوحة إلى تقييد محور المقاومة في خياراته العملانية المضادة، بمواجهة تنفيذ ما أوصت به الاستخبارات العسكرية في تقديرها السنوي، بتعزيز الهجمات في الساحة السورية. وتتمحور التجاذبات والتقديرات في الساحة السورية حول مفاعيل الارتقاء في السياسات العدوانية على الساحة السورية، وما إن كانت ستؤدي إلى التدحرج نحو مواجهة مفتوحة. يأتي ذلك بعد تسليم المؤسسة الإسرائيلية بأن السياسات العملانية التي اعتمدتها تحت عنوان «المعركة بين الحروب» لم تحقّق ما كانت تطمح إليه على صعيد تطوّر القدرات في الساحة السورية، كمّاً ونوعاً. ونتيجة إدراكها بأن المسار الحالي يؤشر إلى اتجاه تخشى تل أبيب من مفاعيله على المعادلة الإقليمية وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات خطرة على الأمن القومي الإسرائيلي، وهو ما أجمع عليه التقدير السنوي للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، والتقدير الاستراتيجي لـ«معهد أبحاث الأمن القومي».