حين أعلن البيت الأبيض زيارة الرئيس أوباما للرياض في 3 شباط (فبراير) الماضي، كان سقف التوقعات السعودية مرتفعاً للغاية. أجندة متخمة بكل الهواجس الراهنة والمستقبلية حيال التحالف الاستراتيجي بين واشنطن والرياض. كانت الأخيرة تنتظر إجابات عن أسئلة القلق على المصير، فما كشف عنه التحوّل الدراماتيكي في الموقف الأميركي حيال الأزمة السورية ومتوالياتها، فجّر المخاوف الكامنة لدى العائلة المالكة، من أنها لم تعد تحتل الصدارة في المفضّلة الأميركية على مستوى الخليج والشرق الأوسط.


منذ إعلان زيارة أوباما، حدثت متغيّرات على أهمية بالغة في المنطقة، منها: نشوب خلاف سعودي قطري حاد ومنفلت، انقسام خليجي في موضوع الاتفاقية الأمنية الخليجية، تفاهم إيراني غربي بشأن الملف النووي وملفات سياسية أخرى، سيطرة الجيش السوري على يبرود الاستراتيجية. في النتائج، السعودية تخسر في الخارج، الأمر الذي يجعل حفظ الكيان أولوية الأولويات في أجندة المفاوضات بين واشنطن والرياض!
في المشهد الإقليمي يبدو واضحاً أن السعودية خسرت الحرب في سوريا، وبدّد سقوط مدينة يبرود الاستراتيجية في مرتفعات القلمون شمالي العاصمة السورية، دمشق، آخر آمالها في تغيير ميزان القوى على الأرض السورية. وفيما تستقبل الرئيس أوباما لتسوية ملفات خلافية مع واشنطن منذ تخليها عن الخيار العسكري في سوريا، بدأت السعودية مرحلة احتواء الأخطار الناجمة عن تداعيات الانكسارات العسكرية المتوالية للجماعات المسلحة.
قبل إعلان الأمر الملكي الخاص بالمقاتلين السعوديين (المدنيين والعسكريين) في الخارج، وفي سوريا على وجه الخصوص، في 3 شباط الماضي، كانت السعودية مركز استقطاب مالي ولوجستي وبشري للحرب على النظام في سوريا. حينذاك، لم يكن الحديث عن الإرهاب وارداً، وليس هناك تطور داخلي يستوجب استنفاراً أمنياً وإعلامياً وسياسياً شاملاً، فقد بدت الثنائية المخاتلة تسير بإتقان تبعاً لمقاربة سعودية رسمية تقوم على تبني الموقف ونقيضه بحسب ما تمليه المرحلة، أي مع تجنيد وتمويل وتسليح الجماعات المقاتلة في الساحة السورية بما فيها القاعدة بتشكيلاتها، وألوية الجبهة الإسلامية المندغمة إيديولوجياً في السلفية الجهادية، وأيضاً، وفي المقابل، ضد جمع التبرعات وإرسال المقاتلين إلى الخارج. خطّان متوازيان عملا بانسجام لأكثر من عام ونصف؛ إذ كان الانخراط الواسع والشامل في الحرب السورية مشفوعاً بمساندة، أو على الأقل بصمت غربي، أسدل ستاراً مؤقتاً على الخط الرافض للانخراط في الحرب السورية، ريثما تنجلي صورة المعارك.
صدر الأمر الملكي بتجريم المقاتلين السعوديين في الخارج، وكان ذلك إيذاناً بمرحلة جديدة، تبدأ بتواري مهندس الحرب بندر بن سلطان، لتطلق العنان للخط المقابل، الرافض لمشاركة المقاتلين السعوديين في الخارج، وكذلك رفض حملات جمع التبرعات، أو حتى توفير المنابر المحرضة على الهجرة والجهاد.
كانت زيارة وزير الداخلية السعودي محمد بن نايف لواشنطن في الفترة من 11 ـ 13 شباط (فبراير) الماضي ولقاؤه برؤساء الأجهزة الأمنية، وتتويج الزيارة بلقاء الرئيس الأميركي أوباما، بمثابة إعادة تموضع في معادلة السلطة داخل المملكة. فقد حصل بن نايف على ما يمكن وصفه ببطاقة عبور مشروطة إلى العرش، أي بقدرة الرجل على تنفيذ خطة (احتواء تداعيات الحرب السورية). وإذا كان ثمة هدف غير معلن في زيارة محمد بن نايف لواشنطن، فهو بحسب لسان حاله: «خسرنا الحرب في سوريا فساعدونا حتى لا نخسر دولتنا». تعويض يبدو مرضياً للطرفين، فالشعور العميق بالإحباط وسط النخبة الحاكمة في الرياض إزاء مقاربة واشنطن للأزمة السورية، دفع هذه النخبة إلى اقتراف أخطاء فادحة في السياسة، وبلغت خصوماتها حداً جعلها عاجزة عن الصمود أمام معركة المصير؛ فثمة انتكاسات متسلسلة تنتظر النظام السعودي نتيجة دخوله في معارك خارجية بطابع عسكري مع (سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن)، وأخرى بطابع سياسي مع (تركيا، وقطر، وسلطنة عمان، والسودان).
عاد محمد بن نايف من واشنطن، وكان يحمل في يده شيفرة «الحرب على الإرهاب»، الشعار الذهبي لمواجهة الاستحقاقات الداخلية، والجماعات المعارضة بكل صنوفها، والخصوم السياسيين. في مثل هذه الحرب، أي الحرب على الإرهاب، لا يتطلب الأمر تقديم مطالعة قانونية أو حتى توصيفية لكل جماعة، كي ما تثبت الدولة السعودية إن كانت هذه الجماعة أو تلك إرهابية حقاً، أو غير ذلك. في عالم السياسة، تبدو لغة القانون زائدة على الحاجة، ببساطة لأن للسياسة قوانينها، فثمة مصادر أخرى تسهم في صوغ هذه القوانين منها الإعلام والمال والقوة وغيرها، ما يجعل تقميص جماعة وصفاً معيناً مقبولاً في السياسة، وإن كان للقانون كلمة أخرى مناقضة.
وفي النتائج، لن يسأل أحد من الذين يتلطون وراء شعار «الحرب على الإرهاب»، عن سر «تكويم» كل الجماعات المصنّفة في خانة خصوم النظام السعودي في قائمة الإرهاب. بل على العكس، تبدو مقصودة، لأنها تخرج من معركة سوريا بأقل الارتدادات على الذات، وتحيل خصومها السياسيين إلى جماعات إرهابية.
ما لا يعرفه الكثيرون، أن بيان وزارة الداخلية السعودية في تصنيف الإخوان المسلمين، والقاعدة، والحوثيين، وحزب الله في قائمة الجماعات الإرهابية وإبقاء القائمة مفتوحة لاستيعاب جماعات أخرى في المستقبل، يوفّر الغطاء القانوني والسياسي والإعلامي والأمني والدولي لعمل الدولة العميقة في قمع الناشطين السياسيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والإصلاحيين. لا يحتاج توجيه اتهام لأي منهم لمزيد من التشريعات، فبإمكان الداخلية السعودية أن تصم من تشاء منهم بحسب تصنيفه السياسي أو المذهبي. ذراع الداخلية باتت طويلة وباتت قادرة على أن تضرب دون هوادة فتعتقل وتقتل وتدهم البيوت، وتهدد، وتحرق. في واقع الأمر، هي تقوم بكل ما تراه مناسباً، وليس بالضرورة أن يكون قانونياً، كل ذلك من أجل حفظ الكيان.
الولايات المتحدة تبارك مهمة شريكها المفضّل والمطيع في العائلة المالكة، أي وزير الداخلية محمد بن نايف. ليست معنية البتة بملف انتهاكات حقوق الإنسان في هذا البلد، ولا لحديث الديموقراطية الذي يروج على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعنيها فحسب المصالح دون سواها.
ثمة استراتيجية وطنية لقمع الناشطين السياسيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، هذا ما يمكن أن يلحظه المراقب هذه الأيام في مملكة القهر. لا حدود للبطش، ولا للعقاب أيضاً، فكل من يقف ضد النظام السعودي بات إرهابياً، والتهم المعلّبة جاهزة؛ فالمعارضون في السر والعلن وإلى أي مذهب انتموا؛ فهم إما إخوان مسلمون، أو قاعدة، أو حوثيون، أو حزب الله، وجميعهم إرهابيون بحسب معايير الداخلية السعودية، وإن وجد من لا يندرج ضمن هذه القائمة، فإن الداخلية أبقت الباب مفتوحاً لمزيد من الأسماء.
من المفيد الإشارة إلى أن الخلاف السعودي مع قطر يأتي في سياق الحرب على جماعة الإخوان المسلمين، وهي وفق التصنيف السعودي جماعة إرهابية. الخلاف بين الرياض والدوحة يتمركز حالياً حول دعم الأخيرة للجماعة، فيما تخوض الرياض حرباً شبه مفتوحة عليها.
لا ريب أن ثمة عملية خلط مقصود للأوراق؛ فقد انفردت السعودية بتصنيف الإخوان المسلمين والحوثيين وحزب الله في قائمة الجماعات الإرهابية، بالرغم من أن قلة نادرة من الدول تشاركها هذا التصنيف. وقد لا يكون لذلك علاقة بالإرهاب، بل هي عملية تضليل واضحة لمصادره الحقيقية.
نتذكر هنا خلفية صدور الأمر الملكي حين أطلع الأميركيون شركاءهم السعوديين على سجل ضخم يحوي وثائق دامغة تثبت ضلوعهم في الإرهاب في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ما كاد يؤول إلى انتقال السجل إلى مجلس الأمن الدولي، وتالياً صدور قرار يصنّف السعودية بالدولة الراعية للإرهاب في العالم. لا نستغرب إذاً نزوع النظام السعودي إلى توسعة دائرة الإرهاب، ليضم الجماعات المتخاصمة، ويا لها من مصادفة، مع السعودية. فهذا النوع من التعويم يضلل من يريد حصر تهمة الإرهاب في الوهابية بتمظهراتها القتالية، وبذلك تكون السعودية قد حقّقت هدفين، الأول: النجاة من العقاب الدولي، أي تجنيب تأطير الوهابية السعودية كمنبع أيديولوجي للإرهاب في العالم. والثاني: تصفية الحساب مع الجماعات السياسية والدينية المنافسة في الداخل والخارج القريب.
في الأحوال كلها، حصلت الرياض على مكافأة أميركية قبل موعد زيارة أوباما، ولكن في مقابل تنازلات منها الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، وإعادة بناء الشراكة الاستراتيجية بين البلدين على أسس مختلفة، بعد تغيّر جوهري في مكوّناته ومبرراته، وخصوصاً بعد اكتشاف النفط الصخري في الولايات المتحدة، وقرارها بالانتقال إلى المناطق الواعدة اقتصادياً واستراتيجياً.
أوباما في الرياض، قد يبدو خبراً عادياً الآن، فليس ثمة مفاجآت كبرى منتظرة من الزيارة، فقد تقتصر على مجرد الطمأنة حيال الاتفاق مع إيران في ملفها النووي وملفات أخرى سياسية، مشفوعاً بطمأنة على حماية الكيان، وما تفرضه من زيادة افتراضية في وتيرة التسلّح وامتيازات أمنية خاصة بالفرق الأميركية الأمنية والعسكرية.




نشطاء القطيف نموذجاً


أصدرت الداخلية السعودية قبل سنتين قائمة الـ 23، وتضم أسماء ناشطين في الحراك الشعبي السلمي في محافظة القطيف. لم يكن أي منهم يقتني قطعة سلاح، ولم يدخلوا في مواجهة مسلحة مع رجال الأمن السعوديين الذين كانوا يطلقون الرصاص على المتظاهرين في شوارع المحافظة، وبعضهم كان يسقط على الأرض بكاميرته. وحين قرّرت الداخلية السعودية شنّ حملة دهم لاعتقال أفراد القائمة، لم تتردد في وصمهم بالإرهاب.
بالنسبة إلى الإخوان المسلمين، والحوثيين، وحزب الله، فهذه جماعات لا وجود تنظيمياً لها في المملكة، ولكن لن تتردد الداخلية السعودية في استخدام أي من هذه الأسماء لتنفيذ خطة تحصين الداخل، عبر اللجوء إلى دمغة الإرهاب.