عشرات المواليد من سكان صعدة وحجة يولدون مصابين بحالات تشوهات خلقية، وصل بعضها إلى حد فقدانهم أحد أعضاء الجسم الرئيسية، فضلاً عن موت أضعافهم بعد أيام قليلة من ولادتهم بسبب الوضع الكارثي الذي تعيشه المحافظتان الحدوديتان. يستهدف العدوان السعودي مناطق المحافظتين بأنواع متعددة من الأسلحة الجوية والمدفعية والصاروخية التي ثبت في معظم الأماكن المُستهدَفة أنها أسلحة محرّمة دولياً بين القنابل الانشطارية العنقودية والصواريخ المحملة غازات سامة ومواد كيماوية لم يُعرف حتى اللحظة الطبيعة التركيبية لها. واكتفى الأطباء بتصنيفها وفقاً للتداعيات الصحية الخطرة التي تحدثها في أجسام الضحايا، وهي حالات صُنفت في الدرجة الأولى من الخطورة بسبب الآثار الغريبة التي تُلحقها في الجلد وفي الجهاز التنفسي.
ويؤكد مصدر يعمل في مركز طبي في صعدة أنّ من بين الإصابات التي عولجت حالات مصابة بحروق تبدو للوهلة الأولى أنها طفيفة، ويضيف أن هذه الحالات تتفاعل وتتضاعف مع مرور الوقت وتصل إلى أجزاء سليمة من الجسم بنحو يعجز الأطباء عن وضع حدٍّ لها وعلاجها. ورجّح المصدر أن تكون ناجمة عن أسلحة كيماوية يلقيها العدوان السعودي بين الحين والآخر على القرى السكنية في المناطق الحدودية، مُشيراً إلى أن هذه الحالات يجري ترحيلها للعلاج في مستشفيات العاصمة صنعاء.

تسبب الأسلحة المستخدمة تمدّد الحروق إلى أجزاء سليمة في الجسد

وسُجلت خلال الأشهر الماضية حالات ولادة مبكرة لدى العشرات من النساء تُعزى إلى حالات الذعر التي تصيب النساء الحوامل جراء الغارات الجوية وأصوات الانفجارات الكبيرة التي تُحدثها، بالإضافة حالات إجهاض ناجمة عن السبب نفسه.
وكان الطيران السعودي قد كثف من غاراته على القرى والأحياء السكنية في صعدة، مرتكباً مجزرتين في أقل من يومين. الأولى وقعت في مدينة ضحيان، واستهدفت حياً سكنياً شعبياً فيه قُرابة 12 منزلاً، ما أدى إلى استشهاد ثلاثين مواطناً. ووفقاً للأهالي، فإن الغارة وقعت في لحظة تجمّع السكان لإخراج أغراضهم من البيوت للنزوح إلى مناطق أخرى في المحافظة نفسها.
ووقعت المجزرة الثانية في منطقة مرّان الجبلية واستهدفت منزلاً يؤوي ثلاث أسر عددهم 19 فرداً استشهد منهم 14 وجرح البقية وكلهم من النساء والأطفال.
ويُلاحظ من حجم الدمار الذي تُحدثه الغارات بالأحياء السكنية استخدام الطيران قنبلة ذات قُدرة تدميرية كبيرة، حيث أزال الانفجار بعض البيوت تماماً وحولها إلى ركام. ووسط تخوّفات الأهالي ــ ممن هبوا للإنقاذ وانتشال الضحايا ــ من معاودة الطيران استهدافهم، استمرت عمليات الانتشال لساعات، مع الإشارة إلى غياب كلي للمنظمات الحقوقية الدولية عن كل الجرائم المرتكبة في صعدة.
وفي السياق، تبذل الفرق الهندسية المتخصصة بنزع الألغام والأجسام الحربية جهوداً كبيرة لتطهير مساحات شاسعة من المناطق التي استهدفتها طائرات العدوان بالقنابل العنقودية التي يُقَدّر عددها بالمئات، والمنتشرة وسط الأحياء السكنية والمزارع. وتخوض فرق نزع الألغام ما يُشبه سباقاً محموماً مع الطيران الحربي الذي يزيد من استخدام هذا النوع من القنابل باستهدافه أماكن جديدة، واضعاً حياة المزارعين في خطر، وهو خطرٌ لا يقتصر على السكان، بل يتعداه إلى الأنعام من الغنم والأبقار التي عادة ما تنفجر فيها قنابل عنقودية أثناء الرعي.
وخوفاً من هذه القنابل العنقودية اضطر كثير من المزارعين إلى إغلاق مزارعهم والعزوف عن المهنة التي تُعدّ مصدر الدخل الرئيسي لمعظم سكان المحافظة، وهو ما ضاعف من تردّي الأوضاع المعيشية للسكان.
وتحت وطأة نيران الصواريخ السعودية المتساقطة بالآلاف على القرى والمناطق الحدودية، يضطر سكان تلك المناطق إلى قطع مسافات تصل إلى 150 كلم لشراء حاجاتهم الأساسية، خصوصاً أن الغارات الجوية دمرت تقريباً جميع الأسواق والمحلات التجارية في القرى الحدودية ومنعت وصول شحنات النقل إليها بالسيطرة التامة على حركة النقل على الطرقات العامة الواصلة مركز المحافظة بالمناطق الحدودية.
ويتعمد الطيران السعودي ملاحقة التجمعات البشرية في المحافظة كالأسواق بعد أن دمر معظم الأسواق المركزية والشعبية، بالإضافة إلى الاستهداف المستمر للخدمات العامة كمشاريع المياه ومحطات شبكات الهاتف المحمول والجسور، وكذا محطات تعبئة الغاز المنزلي التي كانت آخرها محطة دبيش في مديرية سحار، وقد استهدفها بعدة غارات خلال يومين متتاليين.
وبتدمير العدوان لمركز صحي تديره منظمة «أطباء بلا حدود» في مدينة رازح، يكون قد حرم سكان أربع مديريات العلاج والحصول على الخدمات الصحية، وهي مديريات رازح وشدى وغمر والظاهر، ما يعرض حياة سكان تلك المديريات للخطر الشديد، لكونها واقعة تحت نيران القصف المدفعي والصاروخي السعودي على مدار الساعة.