عشية السادس والعشرين من آذار الماضي، كانت المعطيات السياسية تنكر إمكانية التدخل السعودي العسكري المباشر ضد حركة «أنصار الله» رغم كل التهويل والتصعيد الكلامي الذي تلا سيطرة الحركة على زمام الأمور في صنعاء. وما هي إلا ساعات، حتى انفلتت الرياض من عقالها وانهالت حمم طائرات تحالفها الذي أعلنته مع حلفاء اقليميين ودوليين على العاصمة صنعاء، ثم امتدت لتشمل كل شبرٍ على الأراضي اليمنية، اللهمّ ما عدا تلك التي يسيطر عليها تنظيم «القاعدة».

300 يوم انقضى من العدوان والحصار على اليمن، لم تجنِ خلالها السعودية مكاسب تُذكر ولم تحقق من أهدافها المعلنة للتدخل العسكري سوى عودة الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي إلى قصر المعاشيق في عدن، حيث يحاصره عناصر تنظيم «القاعدة» ولا يتمكن من الحركة إلا بمروحية خوفاً من الاغتيال.
مقتل أكثر من ثمانية آلاف مدني بغارات «التحالف» تدمير شبه تام البنية التحتية في بلدٍ يرزح أهله تحت وطأة الفقر منذ عقود، محو متعمّد للتاريخ عبر ضرب الآثار والمواقع التاريخية، تجويع المواطنين واستخدام أسلحة محرمة باعتراف منظمات دولية، هي حصيلة أيام الحرب على اليمن وشعبه. أما سبب هذه الحرب، فبحسب إعلان «التحالف» في البداية، كان «عودة الشرعية». اليوم «الشرعية» عاجزة عن العودة إلى المناطق «المحررة» بسبب انتشار التنظيمات المتطرّفة. أما «انسحاب أنصار الله من صنعاء»، فما عاد يشدد عليه «التحالف» بعدما طالبت «أنصار الله»، خلال جولات المفاوضات السابقة، بالاتفاق على آلية لمراقبة الانسحاب لئلا يتكرر سيناريو عدن في صنعاء، وتركع العاصمة تحت سيف «القاعدة» و«داعش».
واليوم، على مشارف انقضاء عام من الحرب التي نجحت سطوة السعودية في إخراجها تقريباً من المشهد الإعلامي العام، تكرر الطائرات السعودية استهداف المواقع التي قصفتها في الايام الاولى من الحرب، وتواصل تسجيلها المجازر تلو الاخرى من دون وازع أو رقيب، ما عدا تقارير خجولة وتصريحات من الامم المتحدة لم تعد قادرة على غض النظر عن الفظائع المرتكبة في هذه الحرب. ومع ذلك، تحاول الرياض والفريق اليمني المؤيد لها إسكات أي صوت يوجه إليها انتقاد على ممارساتها، مثلما جرى بعد اتهامها من قبل مفوضية الامم المتحدة لحقوق الانسان، ومحاولتها طرد ممثل المفوضية في اليمن.
الآن وقد تبيّن للرياض مرةً أخرى أنها تحارب خصماً ليس لديه ما يخسره، وأنها جرّدته في سنوات الوصاية والنهب من كل ما قد يأسف عليه، لم تعد تقاتل لتركيع الخصم أو لذلّه، جلّ ما هي بحاجة إليه اليوم عبر استمرارها في إضرام النيران هو تحسين شروطها للتفاوض في الجولات المقبلة، في الوقت الذي أصبحت تواجه فيه خطراً جديّاً من القوات اليمنية داخل حدودها الجنوبية.