القاهرة | «متى سيجلس الإخوان مع الجيش على طاولة المفاوضات»، سؤال يطرحه كل متابع للوضع السياسي المصري، وكل من له خبرة أو دراية بشؤون الحركات الإسلامية؛ فالطرفان على اختلاف قوتهما وحجم الدعم المتوافر لهما، والامتداد السياسي والشعبي والاجتماعي لهما، أنهكهما الصراع الدائر في البلاد منذ «30 يوليو»، تاريخ عزل الرئيس محمد مرسي من منصبه، وإعلان خارطة الطريق.


الجيش المتصدر للمشهد السياسي، والقائم فعلياً على إدارة البلاد، يدرك أكثر من غيره حجم التحديات المعيشية التي تواجه المصريين، والتي كانت سبباً في خروج معظمهم ضد حكم مرسي في «30 يونيو»، مثل عودة الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، ونقص السولار والمحروقات في بعض المحافظات، وعودة الإضرابات العمالية والاحتجاجات الفئوية. والإخوان وحلفاؤهم يرون أن استمرار الاحتجاجات والتظاهرات في الشارع قادرة على إرباك المشهد وتعقيده أكثر مما هو عليه، وتحميل السخط الشعبي من تردي الأوضاع للنظام، وخاصة مع ازدياد سوء الأوضاع الاقتصادية وشدة البطش الأمني. إلا أن هذا المسار لا يعني عودة مرسي إلى منصبه مرة أخرى، وفق ما ينادي «الإخوان» بضرورة عودة «الشرعية».
برغم استمرار التظاهرات والاحتجاجات الإخوانية لما يقارب 9 أشهر، إلا أنه يبدو واضحاً افتقاد «الإخوان» آليات ضغط حقيقية على السلطات المصرية، تجبرها على التفاوض، وكذلك عدم نية سلطات الدولة المصرية التفاوض مع الجماعة إلا عقب انتهاء الفترة الانتقالية الثانية، وتسليم السلطة للرئيس الجديد. هذا الأمر يتضح جلياً من تعاطي الطرفين مع مبادرة الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، التي تنص على إنشاء لجنة حكماء برئاسة محمد حسنين هيكل، وعضوية طارق البشري وسليم العوا، وآخرين، ووقف الاحتجاجات والتظاهرات والمواجهة الإعلامية بين الطرفين، والإفراج عن كل من لم يثبت تورطه في أعمال عنف، وإنشاء لجنة لتقصي الحقائق في كل ما جرى منذ 25 كانون الثاني 2011، وتعيين وسطاء مقبولين للطرفين لإجراء المفاوضات والاتصالات غير المباشرة.
مبادرة نافعة فجرت جدلاً جديداً داخل الجماعة والتحالف الداعم لها، بحسب ما كشفت مصادر متطابقة لـ «الأخبار». التصريحات الصادرة من قادة «الإخوان»، أو «التحالف الوطني لدعم الشرعية» عكست هذا التضارب؛ فبينما صرح يحيى حامد، وزير الاستثمار السابق، لقناة «الجزيرة مباشر مصر»، بأنه لا مجال لمفاوضات أو مصالحة، وبأن المعادلة صفرية، قال القيادي في حزب الوسط، أحد أحزاب التحالف، عمر فاروق «إن الحل الأمني والمعادلات الصفرية لا يؤديان إلى نتيجة، ويجب أن يكون هناك اتصالات مباشرة مع جميع الأطراف»، مؤكدًا «عدم وجود أطراف في التحالف ترفض المبادرات»، لكنه أشار إلى «أننا بعد كمّ كبير من المبادرات وآليات المصالحة، نجد دائمًا أن من يرفض هو الطرف الآخر».
المصادر «الإخوانية» أكدت لـ «الأخبار» أن الوصول إلى توافق إخواني حول قرار المصالحة من عدمه في الوقت الحالي أمر شبه مستحيل، لتعدد الجهات الصانعة للقرار داخل الجماعة، بدءًا من القادة الموجودين داخل السجون، الذين لهم نفوذ على كثير ممن هم خارجها، أو القادة الذين يبحثون عن مخرج واقعي بعد 9 شهور من الصدام العنيف مع الدولة، أو القادة الشباب الذين يقودون التحركات فعلياً على الأرض، ويرفضون أي حديث عن المصالحة، مدفوعين بثارات تطلبهم. وبحسب المصادر، فإن اكثر أمر تخشاه الجماعة الآن هو الوصول إلى قرار لا يرضى عنه الشباب، خوفاً من انفراط عقد التنظيم، وخاصة في ظل عدم وجود رؤية واضحة، أو مسار واضح بعيداً عن التظاهرات والاحتجاجات اليومية المناهضة لـ «الانقلاب العسكري».
الباحث في مركز النيل للدراسات الاستراتيجية، أحمد بان، رأى في حديث لـ «الأخبار» أنه «بعيداً عن وجود مبادرات للمصالحة من عدمها، فإن الأهم الآن هو إدراك قادة (الإخوان) أن المصالحة الوطنية، عامل حاسم في الأمر»، لافتاً إلى أنه «على النظام الجديد الذي يجري تشكيله الآن، إعطاء إشارات واضحة في اتجاه العدالة الناجزة، التي تضمن عقاب كل من أجرم، وتقديمه إلى العدالة باعتبارها خطوة تعيد اللحمة إلى أبناء الوطن الواحد، وعدم الاكتفاء فقط بالتعامل الأمني مع ما يجري، ما يضر بالمصالحة، وبمسار الانتقال الديموقراطي، لأنه من المستحيل أن تتقدم دولة فيها كل هذا الانقسام المجتمعي».
ونوه بان المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، إلى «أن المشكلة بالأساس هي أن مؤسسات الدولة لم تعد تحظى بثقة الجموع، وما جرى في «30 يونيو» من هبة أو انتفاضية شعبية يجب ألا ينسي الجميع أن مؤسسات الدولة مهترئة، وخاصة المؤسسات الأمنية التي عادت إلى ممارساتها الفجة على نحو أسوأ مما كان قبل «25 يناير»، والتي تتعامل مع «30 يونيو» كأنها فعل ناسخ لكل ما نادت به ثورة «25 يناير». وشدد على «أنه ما لم يصدر عن السلطة خطاب واضح وقوي يرأب الصدع، ويجمع المصريين، فإن الأمر مهيّء بقوة لثورة حقيقية، لا لمجرد موجة كالتي جرت في «25 يناير»، وإذا لم يعط النظام السياسي الجديد إشارات واضحة، فإنه لن يستطيع أحد كبح جموح الجموع».