الخرطوم | حذّر الجيش السوداني إثيوبيا من تبعات انهيار الاتصالات الدبلوماسية لحل الأزمة على الحدود منبهاً من اندلاع «حرب شاملة بين البلدين»، لكنه أكد في بيان أمس، أن الاتصالات «لم تتوقف لاحتواء التوتر الحدودي»، غداة مقتل ضابط سوداني وإصابة سبعة جنود جراء هجمات شنتها ميليشيا إثيوبية «مسنودة بجيش بلادها». كما دعا البيان أديس أبابا إلى «تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً بشأن ترسيم الحدود بين البلدين، وانتشار قوات من الطرفين على الجانبين»، في وقت تتواصل فيه أزمة «سد النهضة» مع تسجيل ميل سوداني مستجد إلى مصر التي تعارض الخطوات الإثيوبية التي تصفها بالمتعنّتة.

وعادة ما تشهد أوقات الإعداد للموسم الزراعي أو الحصاد في المناطق الحدودية مع إثيوبيا اختراقات وتعديات من عصابات مسلحة، علماً أنه في الحادي والعشرين من الشهر الجاري أنهى وفد سوداني رفيع المستوى زيارة إلى العاصمة الإثيوبية استمرت أربعة أيام، أجرى فيها مباحثات بشأن قضية الحدود، ولا سيما منطقة الفشقة البالغ مساحتها 251 كلم. وتتوغل القبائل الإثيوبية الحدودية بين السودان وإثيوبيا غرباً داخل الحدود السودانية بحثاً عن الأراضي الزراعية الخصبة والمياه، ما جعل من تلك المنطقة بؤرة للنزاعات في ظل صمت إثيوبي وتلكّؤ في ترسيم الحدود منذ عقود.
كثيراً ما تتطور تلك النزاعات إلى اشتباكات مسلحة آخرها الذي جرى قبل يومين، وكان مسرحه الضفة الشرقية لنهر عطبرة مقابل منطقة بركة نورين، جراء تسلل مجموعة من الميليشيات الإثيوبية لسحب مياه من النهر فاشتبكت معها القوات السودانية ومنعتها من أخذ المياه، ثم حدث إطلاق نار كثيف من الميليشيات التي تُقدر بـ250 فرداً معظم ساعات النهار، واستخدمت خلالها القوات الإثيوبية وفق بيان الجيش السوداني «الرشاشات والبنادق القناصة ومدافع آر بي جي». البيان أوضح أنه قبل يوم من تلك الأحداث حضر ضباط من الجيش الإثيوبي ومعهم عمدة منطقة كترارات إلى منطقة كمبو دالي السودانية، التي تقع على بعد 500 متر شرق معسكر «حلاوة»، وطلبوا السماح لهم بالزراعة داخل الأراضي السودانية.

نجم عن التصعيد الأخير مقتل جنود سودانيين ومدنيين بينهم طفل


لا تبدو مثل هذه الحادثة منفصلة عن غيرها من الأحداث التي بدأت منذ سمح الرئيس السوداني الراحل جعفر نميري لقبائل الأمهرا بالدخول إلى أراضي إقليم الفشقة الخصب وزراعتها، في أعقاب سقوط الإمبراطور هيلاسلاسي إثر انقلاب منقستو هايلي مريام عام 1974. منذ ذلك الوقت، ظلت المنطقة تشهد اشتباكات عنيفة بين مزارعي البلدين، لتتواصل بعد ذلك سياسة غضّ الطرف التي اتخذها نظام عمر البشير، ما أدى إلى استيلاء ميليشيات على الأراضي الزراعية بالتهديد والقتل والخطف. كما ساعدهم لجوء ملاك الأراضي السودانيين إلى استخدام العمالة الإثيوبية، بل مكّنوا كبار المزارعين الإثيوبيين من استئجار أراضيهم.
جراء ذلك، من غير المستبعد أن تشهد المنطقة حسماً عسكرياً خاصة أن آخر توتر حدودي قبل أكثر من شهر شهد اهتماماً عالي المستوى من العسكر، إذ هرع القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس «المجلس السيادي»، الفريق عبد الفتاح البرهان، إلى المنطقة بعد أن توغل الجيش الإثيوبي وسيطر على حوالى 55 ألف فدان في ما يعرف بمنطقة الفشقة الصغرى. آنذاك أكد البرهان خلال مخاطبته الفرقة الثانية مشاة، المرابطة على الحدود الشرقية، جاهزية الجيش لحماية الحدود، مشدداً على أنه لن يسمح بالاعتداء على الأراضي السودانية.
على المستوى السياسي، تسعى الحكومة الانتقالية إلى ترسيم الحدود، الملف الذي يشرف عليه رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية بالتنسيق مباشرة مع رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد. لكن الأخير في موقف لا يحسد عليه، وفق مراقبين، إذ إنه يفتقر إلى الإرادة السياسية لترسيم الحدود نتيجة إشكالات محلية كثيرة، وفي الوقت نفسه هو مضطر إلى المحافظة على علاقات جيدة مع الخرطوم جراء حالة الاستقطاب التي يعيشها الإقليم نتيجة أزمة «النهضة». وتتسابق القاهرة وأديس أبابا لكسب الموقف السوداني خاصة أن الخرطوم أعلنت رفض المقترح الإثيوبي الذي يقضي بالتوقيع على اتفاق جزئي للمرحلة الأولى لملء السد، كما قالت وزارة الري السودانية إن توقيع أي اتفاق جزئي يلزمه تضمين جوانب فنية وقانونية في الاتفاق.
في الموضوع الأساسي، يؤكد رئيس الجانب السوداني في اللجنة الفنية الخاصة بترسيم الحدود، التي توصلت إلى اتفاق ترسيم عام 2012، المهندس عبد الله الصادق، أن الإثيوبيين يفتقرون إلى الجدية الكافية لتطبيق ما تمّ الاتفاق عليه. ويقول لـ«الأخبار»: «على رغم جدية الجانب الإثيوبي المشارك في اللجنة المشتركة لا توجد جدية لدى حكومتهم». لذلك، يؤكد سفير السودان الأسبق في إثيوبيا عثمان نافع أن الحل يكمن في الإسراع في ترسيم الحدود خاصة أن اللجان الفنية «وصلت إلى مراحل نهائية من التجهيزات للترسيم على الأرض»، داعياً في الوقت نفسه حكومة بلاده إلى ضبط النفس والإصرار على مطالبها من دون تصعيد عسكري.