لعلها القمة «الأكثر هدوءاً» في تاريخ القمم العربية. والكلام ليس في معرض السخرية، وإنما في معرض الاستشراف المبني على ما يتوقع أن تبذله الكويت من جهود لإمرار هذا «القطوع» الذي لا يزيدها إلا إحراجاً. أو قل هو نوع من الكوميديا السوداء، المنبعثة من تصريح بسيط لأحد المشاركين في مؤتمر وزراء الخارجية العرب أمس. قالها بكل براءة: تجنبوا (أي الوزراء) القضايا الخلافية. وكأنه يتحدث عن خلاف عن ثمن كيلوغرام من البطاطا، لا عن أزمات مصيرية تعصف بهذه الأمة من مشرقها إلى مغربها.


القمة ستعقد يومي غد وبعد غد في ظل (1) أزمة غير مسبوقة تعصف بالدول الخليجية أطاحت مجلسهم، عملياً، بعدما فرّقت شملهم وشمل أتباعهم. و(2) صراع حول الطلب المصري السعودي المدعوم إماراتياً بحظر جماعة «الإخوان المسلمين» تحت عنوان أنها منظمة إرهابية، هي التي لا تزال تحظى علناً بدعم كل من قطر وتركيا، حيث الحكم لا يزال للإخوان، ولا تزال تحكم أو تشارك في حكم عدد من الدول العربية. و(3) هواجس وقلق من حوار أميركي إيراني يعتقد معظم المشاركين في هذه القمة أنه سيدفع كبريات الدول العربية، إن كان لا يزال بينها من دول كبرى، إلى الهامش. و(4) أزمة متواصلة في سوريا، التي لا يزال مقعدها شاغراً في الجامعة العربية. ولا يزال العديد من القادة العرب يعيشون في حالة إنكار للتطورات الميدانية التي شهدها هذا البلد منذ القمة السابقة، ولا يزالون بالتالي يطالبون بإسقاط الرئيس بشار الأسد. و(5) استحقاق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، رغم كل هذا التشاؤم حول إمكانية استمرارها. عدا طبعاً عن الأزمات التي تعصف بدول الثورات العربية وتتقدمها مصر المهددة بانهيار اقتصادي، يضاف إلى التردي الأمني الذي ترافق مع عودة رموز النظام السابق إلى الحكم. وهناك الاضطرابات في تونس واليمن المهدد بالتقسيم.
وقال وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري «لم يكن هناك توتر بأي شكل من الأشكال، والكويت البلد المضيف عمل على تسهيل النقاشات»، موضحاً أن مسألة «استدعاء السفراء لم تطرح والأجواء كانت إيجابية جداً»، في إشارة الى قيام السعودية والإمارات والبحرين باستدعاء سفرائها من الدوحة احتجاجاً على ما اعتبرته تدخلاً من قطر في شؤونها الداخلية عبر تقديم الدعم لجماعة الإخوان المسلمين.
من جهته، قال وزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة إن «كل المسائل لم تناقش خلال الاجتماع، وتم التطرق الى بعضها على الهامش»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية.
وقال الأمين العام المساعد للجامعة العربية للشؤون السياسية فاضل جواد إنه سيتم تخصيص جلسة خاصة خلال القمة للمواضيع الخلافية بين الأعضاء. كما قال وزير الدولة المغربي للشؤون الخارجية صلاح الدين مزوار إن الاجتماع تطرق الى سبل مكافحة الإرهاب، إلا أنه لم يتم التطرق الى احتمال وضع جماعة الإخوان المسلمين على لائحة المنظمات الإرهابية. وأكد الوزير العراقي أنه تمت الموافقة على جميع مشاريع القرارات بالإجماع.
لكن الكلام الأكثر تعبيراً كان ذاك الذي صدر عن وزير الخارجية المصري نبيل فهمي. قال «لا أتوقع أن نخرج من قمة الكويت والأطراف مقتنعة بأن الأمور تمت تسويتها لأن الجرح عميق». وأضاف إنه «حتى إذا توصلنا إلى صيغة، وهذا مستبعد... نحتاج جميعاً إلى فترة لكي نقيم ترجمة هذه الصيغة إلى التزام حقيقي بمواقف وخطوات تنفيذية تعكس تغييراً في السياسات».
وستعقد القمة بحضور 14 زعيما عربياً. ودعي رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا الى إلقاء كلمة أمام القمة، إلا أن مقعد سوريا خلال القمة لن يعطى الى الائتلاف، بعد اعتراض كل من مصر والعراق والجزائر.
وكان لافتاً غياب وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل والإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان عن اجتماع الكويت أمس، في وقت حضر فيه وزير خارجية قطر خالد بن محمد العطية الذي تسلم رئاسة المؤتمر من نظيره الكويتي صباح خالد الحمد الصباح.

مكافحة الإرهاب

ورفع الوزراء مشروع قرار «يؤكد على مكافحة الإرهاب واقتلاع جذوره وتجفيف منابعه الفكرية والمالية»، ويدعو الأعضاء في الجامعة العربية إلى «توقيع العقوبات على من يقوم بتقديم أو جمع أموال لصالح أشخاص أو كيانات تستخدمها في ارتكاب أعمال إرهابية أو تيسيرها أو المشاركة فيها».
ويشدد مشروع القرار على «ضرورة الإسراع في إعداد اتفاقية الأمم المتحدة الشاملة حول الإرهاب»، ويرفض «الخلط بين الإرهاب والدين الإسلامي الحنيف الذي يدعو إلى إعلاء قيم التسامح ونبذ الإرهاب والتطرف».
كذلك رفع الوزراء مشروع قرار آخر يؤكد على رفض «جميع الضغوط التي تمارس على القيادة الفلسطينية للاعتراف بإسرائيل دولة يهودية». وتضمن مشروع القرار التأكيد على أنه «لن يكون هناك سلام دون القدس الشرقية المحتلة كعاصمة لدولة فلسطين، والتأكيد على أن القدس جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967».
وأدان مشروع القرار «اقتحامات واعتداءات إسرائيل المتواصلة على المسجد الأقصى المبارك من قبل المنظمات اليهودية المتطرفة والجماعات اليمينية العنصرية، وبحماية من شرطة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، في محاولات لاقتسامه زماناً ومكاناً وبسط السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه ولنزع الولاية الأردنية الهاشمية عنه بهدف تنفيذ مخطط هدمه وإقامة هيكلهم المزعوم».
وفي مشروع قرار آخر، أدان وزراء الخارجية العرب إسرائيل لمصادرتها الموارد المائية في الأراضي العربية المحتلة في فلسطين والجولان العربي السوري المحتل وجنوب لبنان، وتحويل مسارها بالقوة وبناء المشاريع عليها، ما يشكِّل تهديداً للأمن المائي العربي، وبالتالي للأمن القومي العربي. وفي ما يتعلق بالنازحين السوريين في لبنان، رفع وزراء الخارجية العرب مشروع قرار يؤكد على أن «وجود النازحين السوريين على الأراضي اللبنانية مؤقت، والعمل على عودتهم إلى بلادهم في أسرع وقت». وشدد على ضرورة «دعم جهود الحكومة اللبنانية مادياً وتقنياً في توفير احتياجات هؤلاء النازحين. كما دعا مشروع القرار مجلس الأمن إلى «تحمل مسؤولياته إزاء حالة الجمود التي أصابت مسار المفاوضات بين وفدي المعارضة والحكومة السورية في جنيف». كذلك رفع وزراء الخارجية العرب مشروع قرار يتضمن ترحيب القادة باستضافة مصر للقمة العربية في دورتها السادسة والعشرين في آذار 2015.
(الأناضول، أ ف ب، رويترز، الأخبار)