في خطوة مفاجئة في توقيتها الذي يصادف عشية زيارة باراك أوباما للرياض، وفي مضمونها الذي تضمن تعديلات في البنية القيادية السعودية، شملت استحداث منصب جديد، أعلن الديوان الملكي السعودي «مبايعة الأمير مقرن ولياً لولي العهد أو ملكاً في حال خلوّ منصبي الملك ووليّ العهد في وقت واحد».


وأكد الديوان الملكي، في بيان، أن هذا القرار «لا يجوز بأي حال من الأحوال تعديله، أو تبديله، بأي صورة كانت من أي شخص كائناً من كان، أو تسبيب، أو تأويل، لما جاء في الوثيقة الموقعة منا ومن أخينا سموّ وليّ العهد رقم 19155 وتاريخ 19/5/1435 هـ وما جاء في محضر هيئة البيعة رقم 1/هـ ب وتاريخ 26/5/1435 هـ المؤيد لاختيارنا واختيار سموّ وليّ العهد لصاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز بأغلبية كبيرة تجاوزت ثلاثة أرباع عدد أعضاء هيئة البيعة».
وبخلاف الأعراف المعمول بها في السعودية في تعيين النائب الثاني، استحدث البيان عنواناً جديداً وهو «ولي ولي العهد»، مبقياً منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، ما يشي بخلاف داخل العائلة المالكة حول منصب ولي العهد بعد تولي الأمير سلمان العرش، برغم من أن هذا المنصب من اختصاص هيئة البيعة التي أنشأها الملك في عام 2005 لتفادي استحقاق منصب النائب الثاني.
وما يلفت في البيان أن «منصب ولي ولي العهد» ليس مفتوحاً ولا يأخذ مسمى القانون أو المرسوم الملكي الثابت، وإنما يقتصر على الحالتين المنوّه عنهما في البيان.
في كل الأحوال، القرار لم يكن مفاجئاً في حد ذاته، وإن كان توقيته والإضافة عليه تحمل دلالات ذات أهمية بالغة.
الأمير مقرن، هو أصغر أبناء الملك عبد العزيز، مؤسس المملكة السعودية، ولد سنة 1945، وتولى عدّة مناصب؛ منها إمارة منطقة حائل في الفترة ما بين 1980 ــ 1999، ثمّ عيّن أميراً لمنطقة المدينة المنورة، وفي تشرين الأول 2005 عيّن رئيساً للاستخبارات العامة حتى تموز 2012، عندما تولى بندر بن سلطان المنصب، فيما عيّن الملك عبد الله أخاه غير الشقيق، والمقرّب منه، مقرن مستشاراً له ومبعوثاً خاصاً. وفي الأول من شباط العام الماضي، 2013، عيّن الملك مقرن نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، ما يجعله مرشحاً ثابتاً في خط وراثة العرش.
القرار في حد ذاته يبعث أسئلة مثيرة حول العلاقة بين الأجنحة المتصارعة على العرش، وعلى وجه الخصوص بين جناح الملك عبد الله والجناح السديري ممثلاً بالأمير سلمان، ولي العهد ووزير الدفاع، وأبناء الأمير نايف، ممثلاً بمحمد بن نايف، وزير الداخلية والأوفر حظاً لدى الأميركيين، وشقيقه سعود بن نايف، أمير المنطقة الشرقية.
تقليدياً، يصبح وزير الداخلية الأكثر ترجيحاً لتولي منصب النائب الثاني، وتالياً ضمان فرصته في الوصول الى العرش، ولكن تحويل مؤسسة الحرس الوطني الى وزارة وتعيين الأمير متعب بن عبد الله، نجل الملك، وزيراً عليها يجعل هناك أكثر من وزارة سيادية تشق قناة سالكة نحو الوصول الى العرش.
صدور القرار قبل عشية زيارة باراك أوباما للرياض قد يقطع الطريق على أي نقاشات حول ترتيبات جرت بين محمد بن نايف والمسؤولين الأميركيين خلال زيارته لواشنطن في الفترة ما بين 11 ـ 13 شباط الماضي، بخصوص دعم واشنطن له كمرشح راجح في خطة صعود الجيل الثاني لتولي الحكم.
من جهة ثانية، فإن العلاقة الوثيقة التي تربطه بالملك عبد الله تجعل الأمير مقرن ضامناً لفرصة الأمير متعب بن عبد الله للوصول الى العرش. إذ لم يكن تأكيد الإعلان على عدم جواز إجراء أي تعديل على الاختيار مجرد عبارة زائدة، الأمر الذي يجعل ولي العهد سلمان وهيئة البيعة ملزمين بالقرار.
في كل الأحوال، حسم الإعلان الجدل حول من سيخلف الأمير سلمان، في ظل شكوك حول فرصة الأمير مقرن في ولاية العهد، كونه لا يملك قوة عسكرية على الأرض، بخلاف الملك وولي العهد ووزير الداخلية.
بذلك، ضمن الأمير مقرن مكانه في العرش، وقد يصبح ملكاً في حال خلو المنصبين معاً، وقد لا يكون الموت وحده سبباً لخلوّهما، فخيار التنازل بالتوافق لا يزال سبباً راجحاً، ما يفتح الطريق أمام مقرن لتولي العرش، وحينذاك فحسب يكون متعب بن عبد الله ومحمد بن نايف وغيرهما قادرين على حجز مقعد في القطار الموصل الى العرش بالتناوب.
وكانت وكالات الأنباء قد نقلت في وقت سابق عن «مصادر سعودية مطلعة» تأكيدها أن عبد الله طلب من هيئة البيعة الموافقة على تعيين الأمير مقرن ولياً للعهد بعد تولي الأمير سلمان العرش، على أن يحل الأمير متعب نجل الملك مكان الأمير مقرن نائباً ثانياً لرئيس الوزراء. وأضافت إن ثلثي أعضاء هيئة البيعة وافقوا على هذه الخطوة في حال تولي سلمان العرش أو «السفر الى الخارج بداعي المرض».
وضمن آليات الخلافة التي أقرت قبل بضعة أعوام، عيّن الملك عبد الله أعضاء هيئة البيعة ووضع على رأسها أخاه غير الشقيق الأمير مشعل بن عبد العزيز. وتضم الهيئة 34 أميراً من أبناء وأحفاد الملك عبد العزيز، مهمتهم تأمين انتقال الحكم ضمن آل سعود، ولا سيما عبر المشاركة في اختيار ولي العهد.
والهيئة مكونة من أبناء الملك المؤسس. وينوب عن المتوفين والمرضى والعاجزين منهم أحد أبنائهم، يضاف إليهم اثنان من أبناء كل من أبناء الملك المؤسس، يعيّنهما الملك ووليّ العهد. ويقترح الملك على «هيئة البيعة» اسماً أو اسمين أو ثلاثة أسماء لمنصب ولي العهد. وبإمكان اللجنة أن ترفض هذه الأسماء وتعين مرشحاً لم يقترحه الملك.
وإذا لم يحظ مرشح الهيئة بموافقة الملك، فإن «هيئة البيعة» تحسم الأمر بالغالبية في عملية تصويت يشارك فيها مرشحها ومرشح يعيّنه الملك.