الجزائر | انطلقت فعلياً الحملة الانتخابية لرئاسيات نيسان 2014 في الجزائر، وتفرّق المتنافسون عبر الولايات إلا عبد العزيز بوتفليقة (76 سنة) فإنه أوفد من ينوبون عنه.


وليس في الشارع الجزائري ما يدل على أن حملة رئاسية قد بدأت بالفعل، ما يجعلنا أمام حملة أصابها الصقيع، فحتى سنوات الدم كان الجزائريون متحمسين للعملية الانتخابية.
ورغم أن مؤشرات الرئاسة بدت شبه محسومة بعد اتفاق كلّ أطياف السلطة وأرباب المال في الجزائر على استمرار بوتفليقة على رأس الدولة لولاية إضافية، إلا أن المتابعين راهنوا على علي بن فليس ليكون نداً لآلة بوتفليقة الجارفة. طبعاً هذه الآلة لا يعنيها في الوقت الحالي «الصندوق» وما قد يصدره، فهي آلة تعمل فقط من أجل تلميع صورة بوتفليقة وإنجازاته خلال خمس عشرة سنة من الحكم، ونفي تهم الفساد التي طالت محيطه.

ينظر إلى علي بن
فليس بأنه واحد من أبناء النظام وبأنه في مهمة تجميلية للانتخابات
المواطن الجزائري البسيط يجد نفسه وسط مشهد ضبابيّ؛ فالجزائر عاشت خلال الأشهر القليلة الماضية ما لم تعرفه طوال تاريخها السياسي منذ الاستقلال. أصبحت نياشين الجنرالات مرمية على عتبات المقاهي بعدما اتهم الزعيم الجديد لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعيداني الجنرال توفيق، قائد المخابرات الجزائرية، بأنه مسؤول عن الكثير من الإخفاقات وأن عليه أن يستقيل. وكان هذا عقب حديث عن اختلاف في أعلى هرم السلطة، وعن رفض المخابرات لاستمرار الرئيس المريض؛ فجأة، وفي غمرة الصدام، نشأ وئام واتفق الجميع على أن بوتفليقة مستمر في منصبه وصدرت عنه رسائل تطمينية نحو جهاز المخابرات، ودعا إلى عدم المساس به وبباقي الأجهزة الأمنية والدفاعية.
لعلّ الرئاسيات هذه المرّة أخرجت أثقالها باكراً؛ فعشية الحملة الانتخابية كان المجلس الدستوري (الهيئة المنوطة بقبول أو رفض ملفات الترشح) أمام اختبار كبير لتقدم قائمة مرشحين منسجمين، وبدا كأنه يفكر بمنافسين يصلحون لتسخين مشهد عبور بوتفليقة، الذي تم بث صور وصوله إلى مبنى المجلس لإيداع ملف ترشحه، ثمّ صور تسليمه الملف وإلقاؤه بعض العبارات من دون شاهد من الصحافة المستقلة، وقبل المجلس ملفه المشفوع بشهادة طبية تثبت أنه بألف خير، وإن كان عاجزاً عن الوقوف، فأحد رجاله الذين سينوبون عنه في الحملة، وهو عبد العزيز بلخادم (رئيس جبهة التحرير الوطني السابق)، قال إنه لا يعاني إلا من خلل وظيفي في رجليه. بينما يصر رئيس حزب الحركة الشعبية عمارة بن يونس على أنه أذكى من الجميع وأنه لن يسيّر البلاد برجليه بل برأسه، وهو خطاب رجال الولاية الرابعة جميعاً؛ بمن فيهم الوزير الأول والأمين العام السابق لحزب التجمع الوطني الديموقراطي الذي يعتقد أن قدرات بوتفليقة الذكائية لم تمس.
ويضاف إلى كلّ هذه الخلطة، رسالة الرئيس السابق اليمين زروال التي اعتبرت أن تعديل الدستور في 2008 من أجل ولاية ثالثة لبوتفليقة أساء إلى عملية الانتقال الديموقراطي وموقفه الرافض للولاية الرابعة، وهي رسالة يعتقد أنها هزت إدارة الحملة الانتخابية للرئيس الحالي، وتخدم باقي المرشحين وأولهم علي بن فليس.

بوتفليقة بموفدين والبقية «الحضور إجباري»

تجنّدت كلّ الوجوه التي مرّت على الحكومة من وزراء، وكلّ السياسيين والنواب في حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديموقراطي المتحالفين سابقاً مع حركة مجتمع السلم قبل انسحابها من الائتلاف الرئاسي، بالإضافة إلى حزب تاج الذي يرأسه عمار غول وزير الأشغال العمومية السابق ووزير النقل الحالي وممثل التيار الإسلامي، وحزب الجبهة الشعبية الذي يرأسه عمارة بن يونس وزير الصناعة. كلهم التفّوا حول ما بقي من بوتفليقة للمرور إلى ولاية رئاسية رابعة. والجميع، مضاف إليهم الوزيران الأولان والزعيمان السابقان لحزبي الحكم أحمد أويحي وعبد العزيز بلخادم، سيمثلون بوتفليقة أمام الشعب. وإذا أضيف إلى كلّ هؤلاء رجال المال الذين أعلنوا عن بكرة أبيهم دعمهم لبوتفليقة، يصبح الرّجل الخارق أكثر حظاً وإن كان مقعداً، ويتحوّل إلى صاحب الحظ بتنشيطه تجمعات متعددة وفي مختلف الجهات عبر موفدي فخامته.
يعتقد الكثيرون أن علي بن فليس (70 سنة) واحد من أبناء النظام، وأنه في مهمة احتياطية أو تجميلية للرئاسة، وفي الوقت نفسه يأمل أن تحصل المعجزة فتسلمه الصناديق كرسي قصر المرادية. بن فليس، الذي يشكّل مساره تساؤلات كثيرة، يعود مجدّداً لمواجهة بوتفليقة بعدما فعلها قبل عشر سنوات وخرج من الباب الضيق. يحسب لوزير العدل السابق ورئيس إحدى حكومات بوتفليقة ومدير حملته الانتخابية الأولى في 1999 أنه استقال من الوزارة وأنه شارك في التأسيس لتنظيم حقوقي.
ورغم أنه أقل حظاً من الرئيس المرشح الذي تقف معه حتى الوسائل العمومية، إلا أن بن فليس مرشح أكثر حظاً من غيره، فبرنامج حملته ومساندوه يؤكدون ذلك، إلا أن صورة بن فليس مع التكتل السلطوي الذي يواجهه تظهره وكأنه دونكيشوت الذي يصارع الطواحين.
لويزة حنون (60 سنة)، التي تكرّر تجربتها في الترشح للرئاسة، تدرك أن حظوظها مع الجزائريين محدودة، وخاصة أنها في عهد بوتفليقة بدأت تتنازل عن خطابها الحاد تجاه السلطة. زعيمة حزب العمال الدائمة بدأت حملتها بالتذمر من قطبية بوتفليقة وبن فليس وقالت إنها تشكّل خطراً، وتراهن حنون على قدراتها الإقناعية التي عرفت عنها منذ ثلاثة عقود أمضتها تردّد طروحاتها اليسارية.
بالنسبة لرئيس حزب المستقبل عبد العزيز بلعيد، فإن أبرز ما يقف عليه هو السن، فهو أصغر مرشح للرئاسة رغم أنه تجاوز الخمسين (51 سنة)، إلا أنه يتحدّث بوصفه مرشّح الشباب، وسيكون عليه استمالة تيار الوطنيين الذي انتمى إليه طوال سنوات شبابه قبل أن يقرر الانسحاب من جبهة التحرير الوطني وتأسيس جبهة المستقبل. بلعيد سيواجه أيضاً التوازن الجهوي فهو من المنطقة نفسها التي جاء منها بن فليس (باتنة)، ولعلّ أهم ما يفكر به الرجل هو تكريس اسمه كفاعل ورقم سياسي والمرور بتجربة الرئاسة التي تضعه كخيار في المستقبل السياسي للجزائر وإن لم يكن للرئاسة.
موسى تواتي (61 سنة) وعلي فوزي رباعين (59 سنة) لم يملّا ولم ينل منهما اليأس، بشعبية محدودة، لكنها ثابتة. يقود تواتي رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية ورباعين رئيس حزب عهد 54 حملتهما الثانية بعد سبق لهما المشاركة في الرئاسيات السابقة. ولعلّ نقطة الاشتراك بين الرّجلين أنهما يكرران خطابهما طوال سنوات، فلم يغيّرا اقتناعاتهما ولا توجهاتهما، ويتكلمان من منطق أنهما قوة سياسية ضاربة؛ فرباعين يعتقد أنه المعارض الوحيد في الجزائر، وأن تاريخه النضالي سيمنحه فاكهة في النهاية، بينما يتصور موسى تواتي أن حزبه وشخصه بدائل جدّ محتملة من أجل جزائر أفضل.

الجزائريون من كوكب آخر

يعيش الجزائريون حالة غير معهودة من اللامبالاة، فيبدو كأن أمر الرئاسيات لا يعنيهم أو أنه متعلق بدولة أخرى، وهو أمر بإمكان أي شخص أن يقف عليه. ورغم أن وسائل الإعلام سخّرت الكثير من قدراتها لتواكب الحدث، إلا أن هذا لم يدفع به إلى واجهة اهتمام الجزائري. يتوسع المشهد ليبدو أن الجزائريين من كوكب والمرشحين من كوكب آخر، أما الإعلام فهو مقسوم بين إعلام خاص يسعى إلى التوازن من دون إغضاب الرئيس وجماعة الرئيس، وإعلام عمومي يسعى إلى الفشل في إحداث توازن عبر المساحة الكبيرة التي تمنح للرئيس المرشح على حساب منافسيه، الأمر الذي جعل لويزة حنون تحتج على البث المكرر لرسالة الرئيس المرشح للجزائريين. ويبقى على الجزائريين المشاركة وانتظار أيام الحملة إلى غاية يوم الحسم في 17 نيسان ليكتشفوا نتائج الصندوق العجيب.




تعديل الدستور أولوية المرشحين

طغى ملف تعديل الدستور على الوعود الانتخابية لأغلب مرشحي الرئاسة الجزائرية خلال جولاتهم في الاسبوع الأول من الحملة الدعائية للانتخابات، والتي تميزت بفتور شعبي تجاه السباق الرئاسي. وتراوحت وعود المرشحين بين: التعهد بالقضاء على الفساد في مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء اقتصاد قوي لا يعتمد فقط على عائدات صادرات النفط والغاز كما هو الأمر حالياً.
وفي هذا السياق، قال الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، في رسالة إلى الجزائريين مع انطلاق الحملة الدعائية، «أتعهد بأنني سأسعى، مع كافة الفاعلين الممثلين لسائر أطياف المجتمع، إلى إيجاد الظروف السياسية والمؤسساتية التي تتيح بناء نموذج من الحكامة يتجاوب وتطلعات شعبنا وآماله وسيتجسد نموذج الحكامة هذا عبر مراجعة للدستور نشرع في إجرائها في غضون السنة الجارية». وخلال تجمعات انتخابية، أوضح مدير حملة بوتفليقة، عبد المالك سلال الذي ناب عنه في الحملات، أن البرنامج الانتخابي للرئيس «يتضمن مشروع تعديل الدستور سنة 2014، ما سيوسّع من صلاحيات ممثلي الشعب ويعزز من أدوات الرقابة على تسيير أموال الدولة».
من جهته، وعد المرشح، رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، بتعديل دستوري وصفه بالـ«عميق» حال انتخابه.
وقال بن فليس، خلال أحد خطاباته الانتخابية، «أريد من خلال الدستور الجديد الذي سأعرضه على استفتاء شعبي، في حال تقلدي منصب رئيس الجمهورية، بناء دولة قوية بمؤسسات قوية تحترم الإرادة الشعبية».
(الأخبار)