دمشق | منذ بداية الأزمة، وجدت الآثار السورية نفسها بين نارين، الأولى نار الاشتباكات والمعارك الطاحنة وتداعياتها الخطيرة على سلامة المواقع والأماكن الأثرية المنتشرة في أرجاء البلاد، والثانية نار العصابات المتخصصة بسرقة الآثار والبحث عن الكنوز، بما تحمله من تهديد بضياع جزء أساسي من التاريخ الإنساني والحضاري. اليوم، إذا حالف الحظ الآثار السورية وبقيت بعيدة نوعاً ما عن الاشتباكات العسكرية المباشرة، فإنها لم تنجُ من «لصوص التاريخ والباحثين عن الكنوز القديمة». وهذا ما تؤكده البيانات الأولية للمديرية العامة للآثار والمتاحف التي أشارت إلى تعرّض نحو 420 موقعاً أثرياً للضرر بنسب متباينة، تراوحت بين تدمير كامل أو جزئي، وبين التخريب وسرقة المحتويات.

وعلى خطورة هذا العدد من المواقع التي تعرضت للضرر، إلا أنه لا يشكل سوى ما نسبته 4.2% من إجمالي عدد المواقع الأثرية التي أكدت وزيرة الثقافة لبانة مشوح، أخيراً، أن عددها يبلغ نحو 10 آلاف.
البحث عن الثراء
فيما كان كثيرون يحملون السلاح بحثاً عن «الحرية»، كان آخرون يحملونه بحثاً عن «الثراء» السريع. وكان من الطبيعي أن تشكّل المواقع الأثرية الغنية بكنوزها الحضارية إحدى وجهات بنادقهم... ومعاولهم وآلياتهم الثقيلة. ووفقاً لنتائج تتبع طبيعة الأضرار الحاصلة، فإن هناك خطرين رئيسين تعرضت لهما المواقع الأثرية السورية.

تكشف البيانات عن تعرض 144 موقعاً أثرياً للضرر في مدينة حلب
الأول يتمثل في عمليات السطو والسرقة. وهنا تحصي مديريات الآثار في المحافظات تعرض 28 موقعاً للسرقة، أبرزها سرقة 9 صناديق من متحف الرقة تحتوي على قطع أثرية، وسرقة 17 قطعة فخارية من قاعة العرض في قلعة جعبر، و30 قطعة من تماثيل وغيرها من متحف المعرة في ريف إدلب، وسرقة تمثال من البرونز المطلي بالذهب من متحف حماه وغيرها. الخطر الثاني كان في عمليات الحفر والتنقيب غير المشروعة عن الآثار والذهب، حيث استغل «الباحثون عن الكنوز» تردي الأوضاع الأمنية وسيطرة المجموعات المسلحة على بعض المناطق للقيام بحملة تنقيب وتجريف وحفر للمواقع الأثرية الموجودة في تلك المناطق. وقد وثّقت التقارير الميدانية حصول عمليات «تنقيب سري» في أكثر من 93 موقعاً أثرياً موزعة على عشر محافظات، وكما هو متوقع جرت عمليات التنقيب في أرياف تلك المحافظات، وسُجّل، مثلاً، حصول عمليات «تنقيب سري» في نحو 30 موقعاً أثرياً في ريف حلب، وفي 26 موقعاً في ريف إدلب، وفي نحو 15 موقعاً في ريف دير الزور.
الدكتور غزوان ياغي، أحد الباحثين الأثريين البارزين، ورداً على سؤال لـ«الأخبار» حول فرص نجاح مثل هذه العمليات في العثور على قطع أثرية، أكد أنّ عمليات التنقيب عموماً قد تفضي إلى العثور على مكتشفات أثرية وقد لا توفق في ذلك، لكن الخطورة تكمن في تباين غايات المنقبين. ففي حين تولي الجهات المعنية بالآثار اهتماماً بالغاً بالقيمة العلمية والحضارية لعمليات التنقيب سعياً الى اكتشاف عمق تاريخي جديد، وبعد آخر للحياة يتسم بالدقة ويرتكز على حقائق موثقة، ينصبّ اهتمام العصابات على المكاسب المادية التي يمكن أن تنشأ عن قيام أفرادها بالتنقيب غير الشرعي. لذلك من غير المستغرب أن تقوم هذه العصابات بتخريب وتدمير مكتشفات أثرية هامة لاعتقادها بأنها بلا قيمة مادية، فيما هي ربما تمثل إنجازاً حضارياً بالغ الأهمية. ويستشهد ياغي بحادثة اكتشاف روث حيوانات في منطقة يبرود، والتي كانت بداية لفتح جديد حول دراسة تطور المنطقة ودورة الحياة فيها ووجود الإنسان، فيما كان هذا الاكتشاف سيدمر ويخرب على أيدي عصابات التنقيب.
ولذلك فإن الخطر الحقيقي، في نظر ياغي، لا يكمن في الخسارة المادية للقطع الأثرية التي يمكن العثور عليها، وإنما في خسارة قيمتها العلمية والتاريخية، وما يمكن أن ينجم عن ذلك من طمس للحقائق وإقصاء للدلائل وخلط للطبقات الحضارية.
وهذا ما تؤكده المعلومات عن تعرض مواقع أثرية كثيرة لعمليات حفر وتجريف واسعة استخدمت فيها آليات ومعدات ثقيلة، فضلاً عن قيام مواطنين بتشييد أبنية عشوائية في المناطق الأثرية وتحويل بعضها إلى حظائر.
أضرار متباينة
كما هو متوقع، تصدرت حلب وريف إدلب وحمص قائمة المناطق لجهة حجم الضرر الذي لحق بمواقعها الأثرية، إذ تكشف البيانات الرسمية عن تعرض 144 موقعاً أثرياً للضرر في مدينة حلب وحدها دون ريفها، و42 موقعاً في ريف إدلب، و39 موقعاً في مدينة حمص، من دون ريفها أيضاً.
تتباين الأضرار تبعاً لعوامل عدة، أهمها طبيعة الموقع الأثري، فالمسجد، مثلاً، يختلف عن المتحف، والمقام ليس كالمعبد، كما أن «سخونة» المواجهات الدائرة تؤثر في تركيبة الأضرار ونوعيتها، والأهم الغاية المباشرة من استهداف المواقع الأثرية، للتحصن المسلح أو للسرقة والتنقيب عن الكنوز والقطع الأثرية... وغيرها.
وبمراجعة بيانات مديرية الآثار والمتاحف ومحاولة تصنيف المواقع تبعاً للأضرار، نخلص إلى أن هناك نحو 36 موقعاً أثرياً تعرضت لأضرار وصفت بـ«الجسيمة»، توزع معظمها في حمص القديمة (نحو 32 موقعاً)، بينما كان عدد المواقع التي تعرضت لأضرار محدودة نحو 16، منها 6 في درعا، و5 في معرة النعمان في ريف إدلب. أما العدد الأكبر من المواقع الأثرية والبالغ عددها نحو 146 موقعاً فقد اكتفت المديرية بتأكيد تعرضها للضرر، من دون تحديد خطورة ذلك الضرر وحجمه. وهذه المواقع معظمها كان في مدينة حلب (نحو 105 مواقع)، ونحو 10 في حمص وريفها.
واللافت في البيانات الأولية الإشارة إلى تعرّض ما يقرب من 18 مئذنة مسجد للتهديم الكامل أو الجزئي، منها 6 مآذن في حلب القديمة، و5 في درعا، و3 في حمص. إضافة الى الأضرار التي لحقت بالمساجد والمقامات الدينية التي نسفت عن بكرة أبيها لقناعات وأفكار تكفيرية، كما أن بعض الكنائس والأديرة لم تنجُ بدورها، إذ تعرضت نحو 19 كنيسة وديراً للتخريب والتهديم والسرقة، منها 9 في ريف إدلب، و5 في حلب، و4 في ريف دمشق.
كما أن دخول المسلحين إلى قلب مدينة حلب القديمة، وتمركزهم فيها وقيامهم بأعمال نهب وتخريب، وتحويلها إلى مناطق تحصن واشتباكات، تسبب بالقضاء على أكثر من 46 سوقاً تجارية تاريخية تضمّها المدينة القديمة، أتت النيران على محالّها التجارية بأبوابها وبضائعها.
في انتظار المسح الميداني
سوداوية الواقع الذي آل إليه التراث الإنساني في سوريا خلال ثلاث سنوات من الكارثة المدمرة ستتضح معالمها أكثر مع تمكن البعثات الأثرية من توصيف حجم الضرر في شكل مباشر ونهائي، وبيان مصير القطع الأثرية التي جرى نهبها وسرقتها، سواء بقيت داخل البلاد أو وجدت طريقها إلى مزادات ومتاجر السوق السوداء حول العالم، علماً بأن السلطات الأثرية تنبهت لخطورة التهديدات مسبقاً، واستطاعت حماية موجودات جميع المتاحف تقريباً عبر نقلها إلى أماكن آمنة أو من خلال التعاون مع المجتمع المحلي.