ارتفعت الأصوات المحذرة في تونس من «خطورة خطف الإرهابيين الاحتجاجات السلمية»، التي انطلقت في البلاد منذ خمسة أيام، وتحديداً في محافظة القصرين، وتمددت أمس لتشمل مناطق جديدة رغم الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة لحل الأزمة. وبرز أمس دخول تنظيم «داعش» على المشهد وخط المواجهة، كما رفع حملته التحريضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وتداول مناصرون لـ«داعش»، فيديو نشره التنظيم المتطرف، يظهر فيه مقاتلون في صفوفه في سوريا والعراق وهم يحرضون الشعب التونسي على تغيير منحى الاحتجاجات نحو العنف والفوضى، والالتحاق بـ«مجاهدي» التنظيم وتنفيذ عمليات تستهدف تونس.
في السياق، حذرت جهات أمنية وعسكرية من استغلال الاحتجاجات على أيدي عناصر إرهابيين متحصنين في الجبال القريبة من القصرين. وأكد المتحدث باسم وزارة الداخلية، وليد الوقيني، أن «الاحتجاجات هي في الأصل سلمية ويقوم بها محتجون يطالبون بحقهم بالتشغيل والتنمية»، كاشفاً عن «رصد تحركات تخريبية موازية لعناصر معروفين بتشددهم الديني، في محاولة لتأجيج الأوضاع وإخراج الاحتجاجات المدنية عن سياقها السلمي».
وحذر الوقيني، في تصريح لـ«الأخبار»، من تداول إصدارات «داعش» والترويج لها، مضيفاً أن الوزارة تتعامل مع التهديدات التي يطلقها الإرهابيون بكل جدية. ودعا التونسيين إلى الوقوف «يداً واحدة للتصدي لمخططات التنظيمات الإرهابية».
في غضون ذلك، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع، بلحسن الوسلاتي، أن الجيش «قصف مسالك تنقّل مجموعات إرهابية، إثر رصد تحركاتها في الجبال المتاخمة لمدينة القصرين»، كاشفاً عن أن قوة عسكرية ألقت القبض أمس، على مجموعة مشبوهة من سبعة أفراد غير مسلحين حاولت التسلل من مدينة القصرين باتجاه جبل الشعانبي.
وأضاف الوسلاتي، في تصريح لـ«الأخبار»، أن «قوات عسكرية إضافية نُشرت في مواقع مختلفة لمنع أي محاولة للمجموعات الإرهابية لاستغلال الوضع الحالي والتخفي وراء التحركات الاجتماعية من أجل استهداف الجيش وقوى الأمن التي انتشرت لحماية المقارّ السيادية والمنشآت العامة والخاصة».

أقدم شاب تونسي في حيّ الزهور على إحراق نفسه

وكانت الصحف المحلية قد أعلنت أمس أن الجيش التونسي تمكن من التصدي لمجموعة إرهابية حاولت التسلل إلى وسط مدينة القصرين «للاندساس وسط المتظاهرين وإثارة الفوضى ولخلق مناخ ملائم لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف مراكز رسمية للسلطة وعناصر الشرطة والجيش».
رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، الذي قطع مشاركته في مؤتمر «دافوس» وعاد إلى البلاد لمتابعة التطورات، على أن يعقد جلسة استثنائية للحكومة يوم السبت لاتخاذ الإجراءات المناسبة، نبه من خطورة «الاندساس في الاحتجاجات السلمية والانزلاق بها إلى ممارسة العنف والتخريب واستهداف المقارّ الأمنية والاعتداء على المنشآت العامّة والأملاك الخاصة».
كذلك حذّرت رئاسة الحكومة من «إمكانية استغلال التجمعات وتشتّت جهود أعوان الشرطة لمحاولة تنفيذ عمليات إرهابية وبثّ الفوضى»، مؤكدة «ضمان حقّ التظاهر السّلمي باعتباره حقاً دستورياً لا مجال للتراجع عنه والتزام حماية كافة الحريات العامة والفردية».
وفيما لم تنجح قرارات الحكومة في تهدئة الوضع في محافظة القصرين التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات قبل 5 أيام، توسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل محافظات محاذية للقصرين، وذلك للمطالبة بالحق في العمل. وقد أدت المواجهات إلى مقتل عنصر شرطة وإصابة عشرات المتظاهرين.
وأفادت تقارير أمنية بأن الاحتجاجات امتدت في يومها الخامس إلى معظم المحافظات الداخلية الواقعة على الحدود الغربية. وشهدت مدينة باجة عملية كر وفر بين قوات الأمن والمحتجين وتبادل التراشق بالحجارة والغاز المسيل للدموع، واقتحم عدد من المحتجين مكتب المحافظ وحاولوا إتلاف محتوياته قبل إخراجهم بالقوة.
وفي مدينة الحامة، اقتحم المحتجون منطقة الأمن الوطني في المدينة بعد انسحاب الوحدات الأمن منها بعدما استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين والحيلولة دون وصولهم إلى منطقة الأمن وحرقها مثلما حدث في مناسبتين سابقتين.
وفي حي الزهور، الذي تجددت فيه الاشتباكات أمس، أضرم شاب النار في جسده، ما سبّب حروقاً له نقل إثرها إلى المستشفى، كذلك تجددت الاحتجاجات في كل من مفترق حي النور ومعتمديات فريانة وحاسي الفريد وحيدرة والعيون. وعمد عدد من المحتجين في هذه المناطق إلى إحراق الإطارات المطاطية.
ومساء أمس، سجل دخول العاصمة تونس على خط المواجهات مع إقدام عدد من الشبان على غلق الطريق في حيّ الانطلاقة قرب نهاية خط المترو وإحراق العجلات المطاطية، فيما لم يسجل تدخل لقوات الأمن لإعادة الأمن.
وفيما نبّهت رئاسة الحكومة من «الإصرار على التضليل ونشر الأخبار الزائفة والادّعاءات الباطلة بهدف تأليب الرأي العام وتأجيج نار الفتنة وزعزعة الاستقرار وتقويض المسار الديموقراطي»، حذرت من «محاولات بعض الأطراف توظيف المطالب المشروعة للعاطلين من العمل لخدمة أهداف سياسية وحسابات ضيّقة وإرباك مؤسسات الدولة وتعطيل دواليبها وإثارة البغضاء والنّعرات الجهوية». وأهاب رئيس الحكومة «الأحزاب السياسية ومكوّنات المجتمع المدني التحسيس بدقة الظرف ومتطلباته والمخاطر والتهديدات المحدقة بالوطن وبالمسار الديموقراطي والحفاظ على الوحدة الوطنية.
أيضاً، شدد الصيد على عزم الحكومة على «المضي قدماً في النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لكافة جهات البلاد وخاصة الجهات التي عانت طويلاً من التهميش والحرمان».
وكانت «حركة النهضة الإسلامية»، الشريكة في الحكومة، قد دعت إلى المحافظة على «سلمية التحركات وتجنب كل أنواع العنف أو المساس بالممتلكات العامة والخاصة»، ونبهت من «خطورة توظيف المطالب الشرعية للفئات والمناطق المحرومة واستثمارها لخدمة أجندات جهات حزبية معروفة».
وطالبت الحركة في بيان، بـ«التهدئة، خصوصاً بعد نجاح المفاوضات الاجتماعية في القطاع الخاص»، وحثت الحكومة على تنفيذ البرامج والمشاريع المقررة وتركيز الجهود على التشغيل والتنمية المتوازنة، وأيضاً البحث عن إقرار برامج عاجلة.




الإرهاب يترصد على الحدود
قال المحلل منذر ثابت، إن «تحذيرات السلط الأمنية من اندساس الإرهاب وسط الاحتجاجات التي تعرفها محافظات تونس، حقيقية ووجيهة»، مبيناً أن «الجماعات الإرهابية تترصد على الحدود التونسية». وأضاف في تصريح لـ«الأخبار»، أن «الجبهة الليبية جنوب تونس مفتوحة، حيث تغيب الدولة هناك وتسيطر القبائل والميليشيات المسلحة على الميدان، ومن الطبيعي أن الجماعات الإرهابية تحاول نقل التوتر إلى تونس عبر استغلال هذه الاحتجاجات التي تشتت عمل الأمن والجيش التونسي».
ولفت ثابت إلى أن ما يحدث في تونس، خاصة على المناطق التي تقع على حدود الجزائر، يهدف إلى فتح الجبهة الجزائرية أمام ما يسمى «الربيع العربي»، وذلك بالتزامن مع الحراك الاجتماعي الذي بدأ يظهر في المحافظات الجزائرية الجنوبية خصوصاً. وحذر من خطورة تكرار سيناريو ثورة «14 يناير» في الاتجاه المعاكس، فقد تترصد الجماعات الإرهابية للانقضاض على الدولة كما يجري في سوريا والعراق وليبيا، وهو ما سيكون له «كلفة باهظة على تونس».