القاهرة | ليست خافيةً على أحد السيطرة الكاملة للدولة المصرية على الإعلام، لكنها سيطرة مصحوبة بمزيج من الخوف والترقب والحذر الذي يدفع نحو إجراءات عقابية قاسية لمنع مَن تبقى مِن صحافيين خارج «مسطرة» الدولة من الخروج عن النص، ولا سيما في تغطية أيّ أحداث تقع داخل البلاد. وهي إجراءات لم تقتصر على مضايقة الأصوات التي تبدي تحفّظاً أو اعتراضاً على موقف ما فحسب، بل امتدّت لتطال حتى الصحافيين الموالين.

جديد عمليات التضييق هذه، قرار «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إحالة شكوى ضدّ صحافية إلى النائب العام بسبب انتقادها النظام عبر حسابها على «فايسبوك»، وأيضاً معاقبة صحافية أخرى تحدّثت في موضوع نُشر في صحيفة «المصري اليوم» عن استغلال محافِظ بلدتها سيارة الحكومة لنقل زوجته، في مخالفة لأوامر التشغيل الرسمية.
قرارات المجلس الذي جاء بديلاً من وزارة الإعلام في الدستور والقانون، لا تُعدّ سوى جزء من حملة أكبر تطاول الوسط الإعلامي والسياسي للمؤيّدين قبل المعارضين. ففي خلال شهر واحد، أُلقي القبض على خمسة صحافيين، بينهم ثلاثة يعملون في صحيفة «اليوم السابع» المملوكة للمخابرات. وعلى رغم أن النائب العام، حمادة الصاوي، أمر، مثلاً، بإخلاء سبيل الصحافية بسمة مصطفى، التي أوقفتها وزارة الداخلية في الأقصر، وأخفتها قسراً ليوم واحد قبل أن تَظهر مجدّداً في القاهرة داخل نيابة أمن الدولة العليا، لمجرّد أنها سافرت من أجل تغطية مقتل المواطن عويس الراوي الذي قتلته الشرطة ومُنع الإعلام والنيابة من الحديث عنه لأسبوع تقريباً، إلا أن هناك صحافياً آخر لا يزال معتقلاً، هو إسلام الكلحي، وقد أوقفته شرطة قسم المنيب على خلفية تغطيته مقتل المواطن إسلام الاسترالي. والجدير ذكره، هنا، أن الصاوي تدخّل للإفراج عن مصطفى بعد 24 ساعة من صدور قرار حبسها 15 يوماً على ذمّة التحقيقات وإدراج اسمها ضمن قضية مثيرة للجدل، ما يعكس بوضوح تأثّر النيابة بضغط الرأي العام (راجع: النيابة العامّة في عهد الصاوي: ما أكثرَ الضجيج! الخميس 24 أيلول)، خصوصاً أنه عقب يوم من إخلاء سبيلها، صدر بيان للنيابة، للمرّة الأولى، عن الواقعة، تحدّث عن تضارب في الروايات مع استمرار التحقيقات.

طاول التضييق حتى صحافيين موالين، لمجرد رأي بسيط خارج عن السياق


بالتوازي، تتعرّض «نقابة الصحافيين» لمساومات من الأجهزة الأمنية على قاعدة الصمت الطويل مقابل تسهيل زيارات للصحافيين المحتجزين وربما إطلاق سراحهم، مع وعود مستمرة بأن الأوضاع ستتحسّن تدريجياً، لكن ما يحدث هو العكس؛ فالصحف لم تعد قادرة حتى على نشر أخبار معروفة للجميع، كان آخرها تنفيذ حكم الإعدام في عدد من المتهمين الصادرة بحقهم هذه الأحكام التي صدّق عليها رئيس الجمهورية. فضلاً عن ذلك، ثمة وقائع مثيرة تصل حدّ إثارة السخرية، منها أن شخصيات تحصد عادة إشادات تتحوّل إلى مغضوب عليها فجأة، وأخرى عملت مع الدولة مدّة طويلة باتت ممنوعة ومحسوبة على المعارضة، وفي الانتخابات البرلمانية تقتصر التغطية الإعلامية على المرشّحين عبر الأجهزة الأمنية. حتى أصوات المعارضة المُرضى عنها من الدولة باتت ممنوعة؛ مثلاً، مشروع رجل الأعمال طارق نور لإنتاج «توك شو»، على شاشة «القاهرة والناس»، تَعرّض للمنع، في مقابل السماح للمواقع التي تُموّلها الأجهزة السيادية باستقبال مقالات مسيئة إلى شخصيات معارضة، بل إن كبار الموالين لم يعد لهم مكان على الساحة بسبب بعض الآراء التي يبدونها بين حين وآخر، وآخرهم رجل الأعمال محمد أبو العينين، الذي دفع الملايين لحزب «مستقبل وطن»، لكنه في النهاية تَرشّح مستقلّاً للانتخابات البرلمانية.
لكنّ الأزمة الحقيقة اليوم لم تعد في السياسات المتّبعة لإدارة الإعلام، بل في مخطّطات إغلاق المؤسّسات الصحافية المتعدّدة وتحويلها إلى إصدارات إلكترونية، في خطّة تسير على نحو سريع ومنهجي بهدف القضاء على تراث الإعلام المصري وإقصاء خبرائه، حتى المؤيدين للدولة، وآخرهم رئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم»، ياسر رزق، المقرّب من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وذلك بسبب صدامه المتكرر مع رئيس «المخابرات العامة»، اللواء عباس كامل.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا