الخرطوم | وسط تكتّم غير مبرّر، مضت الحكومة السودانية، بشقَّيها المدني والعسكري، نحو استكمال ملف تطبيع العلاقات مع تل أبيب، بالرغم من أنّ الجانب الإسرائيلي كان قد تكفّل، أول من أمس، بالكشف عن طائرة إسرائيلية حطّت في مطار الخرطوم، تحمل على متنها مستشارين إسرائيليين وأميركيين، لمناقشة مسائل فنية تتعلّق بملف التطبيع.

لم يمنع ما تقدّم الحكومة السودانية من التزام الصمت إزاء التصريحات الصادرة عن الجانب الآخر، إذ واصلت التصرّف كأنّ الأمر لا يعنيها، في ما عدا التصريحات المنسوبة لرئيس مجلس الوزراء عبدالله حمدوك عن أنّ قضية التطبيع يضطلع بها المجلس التشريعي. وبحسب مصدر مطلع، تحدث إلى «الأخبار»، فقد قابل الوفد الإسرائيلي، خلال زيارته الخرطوم، التي امتدّت لسبع ساعات، كلّاً من حمدوك، ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، في اجتماع مشترك، اتّفق الجانبان خلاله على بدء الحوار مع إسرائيل وإقامة علاقات ثنائية بينها وبين السودان، بعد صدور الأمر التنفيذي من الولايات المتحدة، الذي بموجبه يتمّ رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب. ووفق المصدر، فإنّ العلاقات بين البلدين ستبدأ في شكل اتفاقيات وتفاهمات مشتركة «ستكون الاتفاقيات تجارية اقتصادية في مجملها، كالتوقيع على اتفاق مع الطيران المدني والاستفادة من التقنيات الزراعية الإسرائيلية، وليس تطبيعاً كاملاً»، مضيفاً «لن يتمّ في المرحلة الحالية تبادل للسفراء أو إقامة سفارات في البلدين». وبرّر المصدر حصر العلاقات مع إسرائيل في هذا الحيّز، بأنّ قضية التطبيع معقّدة لا يمكن تمريرها بسهولة لدى الشارع، ولا سيما في ظلّ غياب البرلمان. واستطرد موضحاً أنّ الجانب السودني أخبر الوفد الإسرائيلي بأنّ السودان لا يصنّف إسرائيل على أنّها دولة معادية. حتّى إنّ محلّلين يذهبون إلى اعتبار هذا الاعتراف، الصادر من الخرطوم ـــــ عاصمة اللاءات الثلاث ـــــ ربما جاء بطلبٍ من الجانب الإسرائيلي، علّه يستفيد من تلك الرمزية لتحفيز دول عربية أخرى على التطبيع.

بدا رئيس الوزراء كأنه يدير ملف التطبيع بعيداً عن حاضنته السياسية


في هذه الأثناء، عاب مراقبون على الحكومة ضربها سياجاً من السرية حول مسار التفاوض مع الجانب الإسرائيلي. برأيهم، هي تخشى من ردّ فعل الشارع، ولا سيما أنّ أسهمها لديه في حالة انخفاض. ولا يستبعد هؤلاء المراقبون، في الوقت ذاته، أن تؤدّي حالة عدم الشفافية، في قضايا مصيرية مماثلة، إلى ازدياد الأصوات المناوئة للحكومة، وإن كانت غير معارضة لعملية التطبيع بحدّ ذاتها. وفي السياق، أكد حزب «البعث العربي» أنه سيقوم بتسخير أدواته لمعارضة التطبيع، مشدّداً على أنّ كلّ الخيارات مفتوحة، في حال مضي الحكومة في هذه القضية، بما في ذلك العمل على إسقاطها. وقال القيادي في الحزب فتحي نوري عباس: «موقفنا واضح ومعلن، نحن ضدّ التطبيع وهو موقف مبدئي، والتطبيع ضدّ إرادة الشعب، ولا بدّ من التصدّي له، ولو بذلنا في سبيل ذلك المُهَج». وعزا عباس عدم شفافية الحكومة بشأن ما يجري داخل الغرف المغلقة في ما يتعلّق بملف التطبيع، إلى خوفها من ردّ فعل الشارع، مؤكداً أنّهم «يدركون حجم ردّ فعل الشارع، في حال الإعلان عن التطبيع مع إسرائيل». ولكن أكثر ما يخشاه المتابعون، في هذا الإطار، هو مقابلة السلطة للشارع بالعنف المفرط، ولا سيما أنّ البلاد تعاني، في الأساس، من هشاشة أمنية، ما يجعل من احتمال وقوع ضحايا أمراً متوقّعاً.
بدوره، بدا رئيس الوزراء كأنه يدير ملف التطبيع، بعيداً عن حاضنته السياسية وعن الجهاز التنفيذي للدولة، وقريباً من مجلس السيادة، ولا سيّما المكوّن العسكري منه. فعلى الرغم من كونه أحد مكوّنات ائتلاف «الحرية والتغيير»، لم يتم إبلاغ حزب «البعث» بما جرى خلال زيارة الوفد الإسرائيلي، وذلك وفق فتحي عباس.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا