القاهرة | شكّل غياب المعايير الاقتصادية في اتّخاذ القرارات الرئاسية محوراً رئيساً لمناقشات موسّعة خلال الأيام الماضية بين الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وأركان نظامه. هذه المرّة، جاء جزء من المناقشات معلَناً في إطار اللقاءات الرسمية التي يعقدها السيسي، والتي تستهدف الترتيب للحصول على مزيد من الأموال لمشروعات البنية التحتية التي وعد «الجنرال» بتنفيذها سريعاً. على أن ما يطلبه الرئيس يبدو أعلى من قدرات الحكومة والنظام والجيش، وهذه هي الحقيقة التي واجهت الأول في مناقشاته بسبب غياب السيولة اللازمة للإنفاق على المشاريع التي يريد تنفيذها، ولا سيما أن لا عائدات سريعة منها بما يتوافق مع الفائدة من استثماراتها، فضلاً عن إحجام البنوك عن منح المزيد من القروض للحكومة حالياً، وسط سياسة اقتصادية قائمة على تثبيت سعر الصرف ضمناً والإبقاء على سعر مرضٍ للحكومة بالتنسيق مع «البنك المركزي».

أبرز الاجتماعات التي جرى بحث الأزمة فيها جمعت السيسي ورئيس «هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة»، اللواء أحمد الشاذلي، الذي ناقش معه أزمة التدفقات النقدية الخاصة بالمبادرات التي يتبنّاها الرئيس والعجز عن تنفيذها في الأوقات المطلوبة، وخاصة أن جزءاً كبيراً من المشروعات التي يفترض أن تنفّذها شركات مدنية وبإشراف الجيش لن يكون لها عائد يمكن السداد منه، وأبرزها مشروع تطوير ألف قرية ضمن برنامج «حياة كريمة». وعلى إثر استعراض الأرقام التي صدمت السيسي، استدعى الأخير بدوره رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، إلى اجتماع عاجل بعد لقائه الشاذلي بأيام، وذلك ليجري تعديل الخطة لتشمل تعديل المشروعات من ألف قرية دفعة واحدة إلى 50 مركزاً في 2021، في الوقت الذي يواجه فيه أكثر من مشروع المشكلة نفسها، وفي مقدّمها «إسكان الموظفين الحكوميين» المقام على أطراف العاصمة الإدارية الجديدة استعداداً لنقل الوزارات من وسط القاهرة إلى العاصمة في قلب الصحراء حيث تمّ تجهيز المباني بأحدث المستويات.
مشروعات السيسي الجاري تنفيذها، والتي تقوم على توسّع غير مسبوق، باتت تواجه أزمة أخرى مرتبطة بجودة التنفيذ، وهو ما دفع جهات رقابية إلى إعداد تقارير في شأن مشكلات في تنفيذ الطرق وإعادة رصفها لمرّات عدّة في مدد قصيرة، ما استوجب تحقيقات تُجرى بسرية كاملة وسط شبهات فساد حول بعض الضباط المسؤولين عن التسلّم في إدارة المهندسين العسكريين.

تتخبّط الحكومة والجيش في خطط كثيرة لردم الهوّة في الموازنات


وبالعودة إلى أزمة التمويل، تبحث الحكومة حتى الآن عن آليات من أجل التعامل مع السيولة المطلوبة لتنفيذ المشروعات التي تمّ البدء فيها على الأقلّ، وسداد مستحقات المقاولين، وخاصة بعدما اضطرت في وقت سابق إلى سداد دفعات كبيرة مرّة واحدة خلال المدّة الماضية، الأمر الذي أثّر سلباً في موازنة الدولة، ولا سيما بعد التعديلات القانونية التي تضمّنت تعويض المقاولين عن تعديلات سعر الصرف، وهي إحدى المشكلات التي ظلّ النظام يماطل فيها لنحو ثلاث سنوات. وبخلاف الرسوم الإجبارية التي فرضها النظام على أيّ إجراءات أو عمليات لمصلحة الدولة، تضع الأزمة الجديدة موازنة الدولة على المحكّ، وخاصة مع وجود خطة للاقتراض خلال 2021 تتضمّن السعي للحصول على نحو سبعة مليارات دولار من الأسواق الدولية مع استمرار الإنفاق على تبعات جائحة كورونا، فضلاً عن المشكلات الناجمة عن تراجع الإيرادات، سواء في «هيئة قناة السويس» أو عائدات السياحة.
أيضاً، مع أن سعر المحروقات الحالي للمواطنين أعلى من الأسعار العالمية، فإن الحكومة تدرس رفعه مجدّداً لتحقيق مزيد من الأرباح خلال المدّة المقبلة، بما يضمن تقليل هوّة العجز المالي، وخاصة بعدما أخفقت جميع الإجراءات التي تمّ فرضها، بما فيها استقطاع 1% من رواتب جميع العاملين في شركات حكومية أو خاصة من أجل توفير الموارد المالية المطلوبة لتنفيذ أحلام الجنرال.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا