حلب | ارتبط اسم جمعية الزهراء بالمكان الأكثر شهرة في حلب وشمال سوريا: «فرع الاستخبارات الجوية». عشرات الهجمات العنيفة تهاوت في محيطه، وتكبّد المسلحون مئات القتلى خلال هجماتهم التي انحسرت لأكثر من عام، وفق مصدر أمني رفيع، لتعود وتتجدد مع «وصول» مسلحين آتين من الشيشان... وبلدان أخرى.


«تجَـمّع فيهِ كُـل لِسنٍ وأَمُّةٍ فما يُفهِمُ الحُدَّاثُ إِلا التَراجِمُ»، ما قاله شاعر حلب أبو الطيب المتنبي قبل ألف سنة في وصف جيش الروم، الذي صده سيف الدولة الحمداني، بات ينطبق على جيش «المهاجرين والأنصار»، الذي يغزو ضاحية الزهراء غربي حلب. ألسنة غريبة «تحقق» مع الحلبيين: شيشانية، داغستانية، تركية، أوزبكية، حتى المغاربة العرب لم يفهم السكان لهجاتهم. في جمعية الزهراء تكاد تكون الحياة طبيعية. «الله لا يوفق هالفضائيات الكذابة خلونا نطلع وش الضو»، يقول محمود الحريتاني الذي كان يحمل حقيبتين عائداً إلى بيته.
«سمعنا صوت التكبيرات وقناة الجزيرة أعلنت انهم اخذوا الجوية، والجوية هي التي تحمينا، لن أخرج مجدداً حتى لو دخلوا»، يضيف.
يلومه جاره الطبيب على الانصات لوسائل الإعلام تلك. ويقول: «كل يوم أحضر ابني من المدرسة سيراً على الاقدام، لن أخرج من بيتي حتى لو احتل المسلحون الزهراء، هل معقول أن انزح من بيتي بعدما سمعت سقوط الجوية اكثر من خمسين مرة؟ هل أنا بلا عقل».

الميدان

في «دوار المالية» يصطدم رصاص القنص بالطوابق العليا ويتفجر. تراجعت كثافة حركة السكان الباقين في المناطق القريبة من ساحة النعناعي، حيث «حرر الشيشان 23 حلبياً، وبقي أن يشرحوا للحلبيين كيف حرروهم ولم يجدوا عربياً ليترجم»، يقول بغضب شديد المهندس أنور، المقيم في المنطقة. ويضيف: «هنالك أكثر من 23 رهينة، أحدهم صديقي اتصل بي على الخط الأرضي، وأخبرني أنه لا واحد يتقن العربية بين الخاطفين».
ما زال العلم السوري يرفرف على مبنى الخدمات الفنية المجاور لقصر العدل الجديد، وهو مبنى قيد الانشاء. «لم يتمكن الإرهابيون من إنزاله. لا أعرف كم قنصنا منهم على السطح، لكن ثمن إنزاله باهظ جداً... وذلك بعدما تمكنوا من اقتحام بناءين واتخاذ السكان رهائن دروعاً بشرية»، يروي جندي سوري على ناصية الشارع.
في مكان غير بعيد عن المنطقة، كان الأمين العام لـ«الحزب السوري الديمقراطي»، أحمد الكوسا، يجري لقاء مع إحدى القنوات المحلية، حيث تعهد القتال حتى آخر قطرة دم دفاعاً عن بيته وجيرانه. تحلق مواطنون ظهر عليهم التعب والقلق حول الكاميرا. لهجة التحدي عالية عند بعضهم، فيما بدا آخرون لا حول لهم ولا قوة، والكل يلهج بالدعاء للجيش السوري وعلى القنوات الكاذبة.

الشيشان

عند العصر اشتعلت جبهة القتال في الليرمون القريبة من الزهراء، وبعد مدة قصيرة بدأت أولى محاولات تحرير المباني التي احتلها المسلحون، في «الخدمات الفنية» و«الهلال الأحمر العربي السوري». حوامة ألقت قنبلة ثقيلة في منطقة الصالات التي يتمركز فيها العدد الأكبر من «جيش المهاجرين والأنصار» و«جبهة النصرة»، وهما الجماعتان الأبرز في الهجوم على الزهراء، وفيما تهيمن العناصر الأجنبية على الأولى، فإن السوريين في الثانية هم قوة ضاربة.
المصادر الرسمية امتنعت عن الحديث عن الرهائن، لا توكيداً أو نفياً أو إيضاحاً، إلا أنّ المصادر الأهلية تؤكد وجود أكثر من عشرين رهينة بيد المسلحين. بعض الأهالي ذكر أنّ عدد المسلحين الذين تسللوا إلى البناءين ستة فقط، فيما ذكر بعضهم أنّ العدد فاق العشرين، وشرعوا فور اقتحامهم المبنيين في تحصينهما، واتخذوا من إحدى الشقق مركزاً لـ«المحكمة الشرعية» الخاصة بهم.
يقول أحد عناصر الحراسة في المنطقة إنهم «تمكنوا من التسلل إلى ساحة النعناعي ليس كثيراً، لكن وجود مدنيين في تلك الأبنية يجعلنا نعد للألف قبل اطلاق النار».
ساحة النعناعي التي جرت السيطرة فيها على بناءين هي استطالة صغيرة خارج حدود جمعية الزهراء، التي يبلغ عدد كتل الأبنية فيها حتى دوار قرطبة أكثر من 300.

سلاح الجو

التقدم الذي حققه المسلحون في تلك المنطقة أغرى الكثيرين بـ«نصرة» المهاجمين، فاندفعوا إلى ذلك، لكن إحدى قوافل المسلحين الآتية من ريف إدلب تحولت إلى صيد سهل لنيران سلاح الجو السوري، لدى وصولها إلى معارة الارتيق. يقدر مصدر عسكري عدد قتلى المسلحين بين سوريين وأجانب على جبهتي الليرمون والزهراء، في الأيام الثلاثة الأخيرة، بأكثر من 120.
ويؤدي سلاح الجو الدور الأبرز في صد هجمات المسلحين في محيط المنطقة المتداخلة مع قريتي كفر حمرة والليرمون، حيث تتصلان عمرانياً مع أبنية السكن الحديث، الأمر الذي سهل عملية التسلل، فيما يخشى عسكريون من وجود أنفاق تسهل أكثر تنقلات المسلحين وتقيهم غارات سلاح الجو.
رغم التعب الظاهر على الجنود السوريين، الذين قلّما لم يصب أحدهم بشظية أو رصاصة خلال سنتين من القتال، فإن إصرارهم على القتال لا يزال واضحاً. بشار، أحد هؤلاء، يقول: «مستحيل أن يتقدموا في اتجاه الجوية، والخرق الذي حصل طفيف جداً، إنهم يهجمون كالجراد ونيراننا لكثرة أعدادهم لا تقضي على الجميع، لكن يسقط العالم كله، ولا تسقط الجوية».
في الجانب الآخر من المدينة، وفي أقصى الشرق، كان أهالي مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين يشيّعون جثامين ثلاثة شبان قضوا في معارك الليرمون والزهراء الأخيرة. «عدد شهداء معارك الأيام الأخيرة وصل إلى ستة مقابل أكثر من 120 مسلحاً»، يقول الجندي بفخر.