21% هي الحصة من أرباح القطاع الخاص التي كانت تستأثر بها العصابة الاقتصادية في النظام التونسي السابق. 220 شركة متصلة بالرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، استفادت من قوانين ومراسيم تفضيلية تُعزّز مصالحها ومنافعها على حساب السواد الأعظم.


كشفت مجموعة البنك الدولي عن هذه الخلاصة في دراسة نشرت أخيراً. إن كانت النتيجة مرتقبة، وإن ليس بالدقّة نفسها، فإنّ الأهمّ هو تسليط الضوء على القوانين والسياسات الاقتصادية التي لا تزال سائدة وتعزز التهميش الاجتماعي وتغري الفاسدين. «أطاحت ثورة التونسيين بن علي قبل ثلاث سنوات، ولكن سياساته تبقى وتجعل النظام معرضاً للاستغلال»، يقول خبراء البنك.
الخروج من وضع شرير كهذا هو عملية معقدة، نظراً إلى المصالح التي تتلاطم في تونس وباقي بلدان التحول العربي منذ أربع سنوات. لكن تحوّلات تلك البلدان تمثّل فرصة نادرة لدمج الانتقال السياسي بالجهود الاقتصادية. الفكرة تكمن فقط بإيجاد التوليفة الملائمة من «السياسات الاقتصادية العامة والرؤية الواضحة المدعومة من المجتمع الدولي لتحقيق تطلعات الشعوب».
هذا ما يبشر به خبراء من صندوق النقد الدولي، وفقاً لدراسة بعنوان «نحو آفاق جديدة: بلدان التحول العربي في ظلّ الانتقال السياسي»، نشرت الأسبوع الماضي.
من الصعوبة بمكان التوصّل إلى علاج موحد لهذه البلدان الستة: مصر، تونس، ليبيا، اليمن، المغرب والأردن. السبب هو التفاوتات الواضحة بينها، فضلاً عن أن بلدين منها يشهدان تعديلات في النظام القائم مقارنة بالتحولات العاصفة التي شهدتها البقية.
لكن رغم ذلك، يتحدّث خبراء الصندوق عن ثلاثة عناوين على مستوى السياسات الاقتصادية يجب أن تولى أولوية خلال الفترة المقبلة: أولاً، ضمان آليات خلق فرص العمل لاحتواء مخاطر الدخول في حلقة شريرة.

تمثّل التحوّلات
فرصة لدمج الانتقال السياسي بالجهود الاقتصادية


تنص وصفة صندوق
النقد على التخلي
عن سياسة دعم الأسعار
ثانياً، معالجة مكامن الخلل الاقتصادي لضمان الاستقرار.
ثالثاً، إطلاق الإصلاحات المطلوبة لتعزيز النمو وتوليد فرص العمل خلال السنوات المقبلة. عناوين عريضة جداً ومحيّرة في آن واحد، وخصوصاً أن واضعيها لطالما احتفلوا بالنمو المصطنع الذي كانت تحققه الأنظمة البائسة في تلك البلدان. فجأة، استفاقوا على أهمية النمو الدامج لمصلحة الفئات المهمشة.
فلننس نظرية المؤامرة لبرهة. تقنياً، ما هي التحديات فعلياً؟ وعلامَ يجب أن تركز عين المواطن العربي في تلك البلدان وفقاً لوصفة الصندوق؟
البداية مع المعطى العام الأدسم: الحاجات التمويلية. غداة الانتفاضات مباشرة، تمكّنت الحكومات من وقف التدهور معتمدة على المال السياسي. «وقد أمنت بلدان مجلس التعاون الخليجي أكثر من نصف الدعم المالي الذي أقره المجتمع الدولي»، يقول الخبراء. لكن المعاناة مستمرّة: تخلص الدراسة إلى أنّ الاحتياجات التمويلية ستبقى مرتفعة، وستراوح بين 50 و60 مليار دولار سنوياً بالحد الأدنى خلال فترة 2014 – 2015. هذا يعني أن البلدان المتحولة مضطرة إلى زيادة ارتهانها للخارج بقيمة مئة مليار دولار بالحد الأدنى خلال الفترة المذكورة.
على مستوى الأداة المالية العامة تنص وصفة صندوق النقد على التخلي عن سياسة دعم الأسعار التي تريد منها الحكومات إجمالاً مساعدة الفقراء، ولكن عادة ما تفيد الأغنياء، وتبنّي سياسة الإعانات الاجتماعية المباشرة. وفي جانب الإنفاق أيضاً يجب إعادة النظر بفاتورة أجور موظفي القطاع العام. أما لجهة الإيرادات، فيجب التركيز على تحسين الجباية الضريبية إضافة إلى التفكير بتطوير الضرائب وجعلها تصاعدية.
يذكّر الخبراء بالضغط الذي تشكّله الأجور في القطاع العام على الموازنات. ويمثّل نحو 40% من النفقات الإجمالية ويزيد على ذلك في بعض الأحيان، ما يقلّص الهامش المتاح للإنفاق الاستثماري. وفي بعض البلدان تسجل النفقات الاستثمارية نصف المعدل المرصود في البلدان النامية.
وبعد الانتفاضات ارتفع الإنفاق العام لاحتواء الاضطرابات السياسية، ما ضخّم العجز على نحو حاد ورفع معدل الدين إلى الناتج في مصر والأردن مثلاً فوق 80%. في ليبيا، قبل احتساب الإيرادات النفطية، يصل عجز المالية العامة إلى 170%، ولكي تتوازن الحسابات العامّة – أي من دون عجز أو فائض – يجب أن يبلغ سعر برميل النفط 118 دولاراً.
بالمطلق، تُعدّ مصر أكثر البلدان هشاشة في المجموعة، بالحد الادنى على المستوى المالي والنقدي. بنهاية 2013، قارب معدل الدين إلى الناتج عتبة 90%، وتضافر هذا المعطى مع تخطي عجز المالية العامّة إلى الناتج 14%. فلنفترض أن «المجتمع الدولي» وبلدان الخليج تضمن الاستقرار المالي، «هذا لا يعني أنّ الدعم الخارجي سيؤمن نمواً كافياً لمواجهة التحدي الاقتصادي الأساسي المتمثل بمعدّلات البطالة المرتفعة»، يحذّر الخبراء.
العنوان الأهم إذاً هو خلق الوظائف وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. في ظلّ الضغوط الاجتماعية المتزايدة التي يمارسها العامل الديموغرافي.
وفقاً للتوقعات المعتدلة التي تستند إليها الدراسة، والتي تفترض أن معدل النمو سيبلغ 4.5% حتّى عام 2018، ستولّد اقتصادات المنطقة أقل من 5 ملايين فرصة عمل، مع العلم أن الحاجة هي لأكثر من سبعة ملايين فرصة عمل جديدة لكي يُخفَض معدّل البطالة بواقع النصف والوصول إلى المستوى السائد في البلدان النامية، والبالغ 8.5%.
لردم هذه الفجوة البالغة 2.25 مليون فرصة عمل لا بد من تحقيق معدل نمو عند 6.25%. «لتحسين سوق العمل والاستفادة من المقومات الاقتصادية الكامنة، يتطلب الأمر التزاماً بإنشاء بيئة إنتاج تُمكّن القطاع الخاص من تحقيق النمو المستدام المرتفع والمولّد للوظائف على نحو متزايد».
تقول الدراسة إنّ السياسات يجب أن تركز على إحياء الاستثمارات الخاصة والعامة على حد سواء. «تُظهر التجارب من البلدان الأخرى أن مشاريع البنى التحتية المصممة على نحو جيد، باستطاعتها خلق الوظائف والأرضية المناسبة لنشاط القطاع الخاص».
يطلب خبراء الصندوق من الحكومات الضغط على الجيب خلال الفترة المقبلة وتحويل النفقات من دعم برامج الإعانة الاجتماعية وفاتورة الأجور إلى أنواع أخرى من الإنفاق «تُعيد الثقة إلى القطاع الخاص».
الحسابات المعتمدة هنا تفيد بأنّ تأخير إصلاح نظام الإعانة والدعم لفترة عامين يؤدي إلى كلفة مالية تبلغ 8 مليارات دولار. في المقابل، إنّ زيادة النفقات الاستثمارية بنسبة 5% من الناتج خلال خمس سنوات تحتاج إلى تمويل بقيمة 24 مليار دولار، غير أنها تؤدي في الوقت نفسه إلى مزيد من النمو والوظائف. من جهة أخرى، إنّ الإبقاء على المستويات الحالية من النفقات العامّة، سيرفع معدل الدين إلى الناتج بنسبة 17% خلال السنوات الخمس المقبلة ويوصله إلى 87%.
تتكرّر أهمية دعم القطاع الخاص في أكثر من إطار على متن الدراسة. مثلاً، اليوم 7% فقط من الشركات تلجأ إلى المصارف لتمويل استثماراتها، وهو المعدّل الأردنى المسجّل بين مختلف الأقاليم. فيما 30% من الشركات تقول إنّ الحصول على التمويل عائق كبير.
دعم القطاع الخاص هنا يحتاج إلى تفكير جديد كلياً، وخصوصاً في ظلّ تشوهات كثيرة موجودة. مثلاً، إنّ هذه البلدان تسجّل أعلى نسبة تركّز – أي احتكار وسيطرة – في القطاع المصرفي، مقارنة مع باقي الأقاليم في العالم.
هذا ما يعيدنا إلى أصل الكلام. لا شكّ في أن توليفة النهوض موجودة فعلاً في مكان ما، تحتاج فقط إلى بعض الجهد البحثي والتطبيق، ولكن الأسئلة الأهمّ هي: هل هناك شفافية على مستوى الدعم الدولي؟ هل تتوافق أرباح القطاع الخاص والشركات مع مصلحة السواد الأعظم؟ والأهمّ، هل تهدف السياسات العامّة إلى تحقيق التنمية والمصلحة الوطنية فعلاً؟

يمكنكم متابعة حسن شقراني عبر تويتر | @HassanChakrani




توصيف جميل، ولكن أين المصالح؟

«خلقت التحوّلات – في البلدان العربية الستة – فرصة فريدة لمواجهة الستاتيكو والمصالح المتغلغلة التي دعمته في الماضي»، يقول خبراء صندوق النقد في دراستهم. هذه الفرصة هي محور «حلقة فاضلة» – في مقابل «حلقة شريرة» كانت مسيطرة – مشكّلة من التحوّل السياسي والإصلاحات الاقتصادية. والبلدان العربية تتمتع بمقومات مهمة للتمتع باقتصادات دينامية: قوة العمل الشابة، ولوج متزايد إلى التكنولوجيا، موقع جغرافي مميز يربط قارات عديدة إضافة إلى غنى سياحي ملحوظ. رغم جمالية التوصيف، تبقى المصالح موجودة، والسؤال هو عن الجهة التي تصوّب على قالب الحلوى بعد رحيل العصابات الاقتصادية المحلية. بحسب التجربة، عادة ما تترافق التحوّلات الوطنية مع تنامي أطماع الجهات الخارجية، من شركات ودول. صيت صندوق النقد تحديداً ليس لامعاً على هذا الصعيد، وإن كانت بياناته مقنعة في كثير من الأحيان.