آخر مرة رأيت فيها حمزة الحاج حسن كانت قبل شهر ونصف شهر تقريباً. كان عائداً قبلها بيومٍ واحد من جنيف، بعد تغطيته وقائع المؤتمر الذي عُقد هناك عن الأزمة السوريّة. يومذاك، التقينا في السادسة صباحاً، أمام منزلي، ثم توجهنا معا إلى المطار، لاحضار «توأم» حمزة. شقيقي محمد، الذي هو، من باب المصادفة، زميلنا في هذه المهنة القاتلة أيضاً.


عاد محمد من مراكش على عجل، مرهقاً وممتلئاً بآلام الغياب، آنذاك أيضاً. كان يفترض أن نتوجه جميعاً إلى الجنوب، فقد حدث ذلك بعد وفاة جدتي بيومين بالضبط. وحمزة، الذي يعرف جدتي، لكونه فرداً من العائلة، كعادته، كان أول الواصلين. في الطريق إلى المطار، كعادتنا، دخلنا في سجال عن سوريا، ولم نتفق في شيء، كعادتنا، أيضاً. حاولنا أمس تكذيب الخبر، وتمسكنا بشائعة النجاة، حتى آخر لحظة. حتى إن الزميل حسن علّيق بذل مجهوداً مضاعفاً للتأكد من عدم صحة الخبر، وبدونا جميعاً، أثناء محاولاتنا الحثيثة لعدم التصديق، كمن يمسك خيطاً رفيعاً ليمنع سقوط مبنى عملاق معلّق به. في النهاية، انهار المبنى. تأكد الخبر، وجاء صوت الزميل حسن حزيناً وبطيئاً عبر الهاتف. بدوره، لم يجد شيئاً يقوله سوى «اكتُب».
لو كان الخيار عائداً لي لتركت هذه الصفحة فارغة. بيضاء كقلب حمزة. واسعة كجبينه العريض الذي تظهر فيه شقوق طويلة إذا ضحك. وهو كان كثير الضحك، وأعترف الآن بأنني كنت أحسده على ذلك. كان اختلافنا كبيراً، وتجمعنا صداقة متينة، تتجاوز الاختلاف تجاوزاً لافتاً. أمس، اكتشفت من الآخرين، أن هذا ليس تفصيلاً، وأن الرفيق حمزة، تمرّن جيداً على الود حتى أتقنه تماماً، لكنني مثله، كما اتفقنا في حوار سابق، أهرب إلى الكتابة. وكانت تلك من المرات القليلة التي نتفق فيها على شيء، وكان الأمر مضحكاً، بالنسبة إلى كلينا. والآن، في هذه اللحظة بالذات، أذكر ضحكة حمزة، كما لو أنه أمامي، يقول ممازحاً، كما في كل مرة، إني أبالغ في آرائي، وأتطرف أكثر من اللزوم. وأعاتبه الآن، كما في كل مرة. لست أبالغ أبداً. أخوض معه سجالاً هادئاً من جديد. السجال الأخير، وهذا أشد قسوةً من الرصاصتين اللتين وضعتا حداً لسهرة قريبة، وسهرات أخرى كثيرة. الرصاصتان المحفورتان في قلوبنا كما لو أنها منجل. لا أدري ماذا حدث بالضبط ولا جرأة لي على السؤال. طالما أنك ذهبت غير آبه بنصائحنا، لماذا لم تضع الخوذة الواقية؟ أين تركت الدرع المضاد للرصاص؟ كما تعلم ما أقوله الآن من أدوات الرثاء. الأسئلة والبكاء و«ما شاكل»، كما كنت تحب أن تقول. إنها أدوات معطلة أيها الصديق. أكرر الآن ما قلته لك، عندما وقفنا على تلال مارون الراس، قبل عامين بالضبط، ونظرنا إلى فلسطين بعيون مختلفة ومقاربات متباعدة: «لا جدوى من الحروب».
أظنه يضحك عليّ كعادته، ويقول إنني أبالغ، لكنني لا أبالغ حين أقول إن حمزة كان صحافياً أكثر مني بأشواط. ذلك برغم أنه لم يخفِ في حياته رأيه السياسي. تتطلب الصحافة أن يكون الصحافي شجاعاً، وأن يذهب بنفسه إلى الحدث حالما يتحتّم عليه ذلك. وأعترف الآن بأنني لم أطق هذا في حياتي، على عكس حمزة، الذي يؤكد من عرفوه من الأصدقاء عن قرب، أنه كان صحافياً أكثر مما كان أي شيء آخر. وطبعاً، لا شيء من هذا كله مجدياً. على تلال مارون الراس، كان حمزة واثقاً بالعبور إلى الضفة الأخرى من الحدود قريباً، ولا أشك لحظة واحدة في أنه كان صادقاً. ابتلعتنا الحرب ولن تتوقف عن ابتلاعنا، لكن لا شيء من هذا مجدياً. لا يمكننا أن نقول كل شيء دفعةً واحدة، هذا ليس لائقاً. الآن سيرثون حمزة، سيعلّقون صوره. ولن نجد ما نقوله. لا يسعنا أن نتمنى سوى أن تنتهي الحرب. مثلما يفعل الراثون بكيت طويلاً، لكنني لم أقو على رفع سماعة الهاتف. لم أجد شيئاً أقوله لشقيقنا محمد. لا أعرف من كان منا شقيقاً للآخر، أنا ومحمد، أم حمزة وهو. وكعادته، سيقول إنني أبالغ. كان حمزة يكتب الشِعر ويحب محمود درويش. قبل أن ينام بسلام، أساله سؤالاً أخيراً، مقتبساً من «جدارية» درويش. هل رأيت ملاكاً واحداً ليقول لك ماذا فعلت، هناك، في الدنيا؟ هل سمعت هُتاف الطيّبين، أو أنين الخاطئين؟ هل تشعر بأنك وحيدٌ في البياض؟ هل أنت وحيد يا حمزة؟ نحن كذلك يا رفيق. لا يمكنك الهرب هكذا. أعتقد أنك سترفع المايكروفون، ولمرة أخيرة، ستعلن: «سنعود بعد قليل».