اللاذقية | «أنا ما قصّرت بحماية كسب. ضميري مرتاح. كثيرون قصّروا ويمكن استهتروا لأنن ما توقعو كل هالعنف»، هكذا يعبّر جوني، المقاتل الأرمني في القوات الرديفة للجيش السوري. ويضيف: «كنا نعمل دفاعاً ذاتياً. كل شخص يدافع عن بيتو وأرضو». الطريق إلى كنيسة الأرمن القديمة، وسط مدينة اللاذقية، يمر عبر أحيائها القديمة. ممرضة أرمنية تشرح بعض الأحداث التي مرت بها هذه الأحياء وبداية التظاهرات ضد النظام عام 2011. تدخل ريتا الكنيسة، فتستقبلها النساء العجائز بابتسامة فرح.


الجميع هُنا يخشى أن تضيع كسب إلى الأبد، كما ضاع كثير من المناطق الأرمنية المحتلة من قبل تركيا بعد المجزرة التي ارتكبها العثمانيون بحق أجدادهم عام 1915. عدد من الغسالات الآلية تعمل معاً في باحة الكنيسة. مناشر عدّة للغسيل، عليها ثياب أطفال وعجائز. الحياة تبدو صعبة على ماريانا وجيرانها الذين خرجوا من بلدتهم بثيابهم التي يرتدونها.
لا يعرف العجوز وارطان ماذا حلّ بمزرعة التفاح التي زرعها بيديه. يحنّ إليها وإلى وِسع المدى في كسب. نظافة المكان القديم تبدو واضحة، وسط رضى النازحين عن العناية التي أولتهم إياها الجمعيات الخيرية والكنيسة والهلال الأحمر، بالإضافة إلى الدولة السورية التي يؤخذ عليها تقصيرها تجاه النازحين الآخرين من غير الأرمن.

«العدو ورا هالحدود»

تذكر ماريانا كيف خرجت من كسب مع زوجها وابنها بعد أن سمعوا رصاصاً كثيفاً. القذائف التي بدأت تتساقط على البلدة جعلت الناس يخرجون إلى الشوارع، حيث صادفوا عناصر قليلة من اللجان الشعبية أمّنت خروجهم في سيارات يقودها بعضهم بسرعة جنونية، مخلفين وراءهم رصاصاً كالمطر مع اندلاع الاشتباكات في ساحة كسب. تقول ماريانا إن تدافع الأهالي للهرب «يشبه التدافع في يوم الحشر». ما لا يزيد على 30 شخصاً بقوا في المدينة المنكوبة، بحكم كبر سنّهم. اقتادهم المسلحون، إلى تركيا، كما علمت لاحقاً. «عم يعاملوهن منيح قال. الاتراك عم يبيضو وجه بهالختايرة»، تقول ماريانا. وتبدأ في البكاء حين تتذكر ما جرى مع كيفورك جوريان، ابن جيرانها البالغ 22 سنة. «ما حدا بيعرف شي عنو. شحطوه بين الختيارية قال لأنو لابس بوط عسكري. هوي الشب الوحيد بين الختايرة»، تضيف باكية. «البكي ما بفيد» تعلّق المرأة العجوز. وتذكر كيف دفعت كسب ثمن موقفها، «كنا نعمل حساب الجيش بالأكل. وبالشتا كنا نعمل حسابن بالحطب. كنا نتروحَن لما نشوفن يمرّوا لأنو منعرف انو العدو ورا هالحدود وما إلنا غير هالعسكر».

عدد المسلحين في المدينة القديمة يزيد
على ألف مسلّح

450 عائلة خرجت من كسب. بعضهم استأجر في اللاذقية شققاً مستقلة، والبعض الآخر توجه إلى بيروت، بحسب جورجيت. المرأة الأربعينية خرجت من الكنيسة برفقة شقيقتها وشقيقها وزوجته، واستأجرت منزلاً في العوينة في اللاذقية. تقول: «بهالسنتين كانوا يبعتوا تهديدات لشبابنا. فيه منن من جيراننا بالضيع القريبة اللي تهجروا إلى المخيمات التركية. أحياناً كان يتصل ناس منن ببيت من بيوت كسب ويقولوا لصاحبو: راجعين ورح ناخد بيتك». باعتقاد جورجيت أن المسلحين نفّذوا تهديدهم. وتتمنى أن تنال تركيا حصتها من الحرب اللعينة التي ذاقها السوريون. عمّها العجوز الجالس بمحاذاتها يعقّب بأن الأرمن لم يكونوا ممتنّين من ازدهار العلاقات السورية ــــ التركية، حتى من قبل أن يجري في البلاد ما جرى. تركت جورجيت وعائلتها كسب مع عدد من المدنيين، عبر الزوارق البحرية، من شاطئ قرية السمرا إلى البسيط، ثم استقلوا السيارات إلى اللاذقية.
مقاتلو كسب: الهدف رهن الأرمن
لدى جوني، المقاتل الأرمني، ما يوضحه. البرقيات التي وصلت قبل أسبوع من الهجوم عما يُحضّر لكسب وخربة سولاس وقمة النبي يونس. هي برقيات تصل باستمرار منذ ما يزيد على سنتين. «ملّت العالم من كتر الاخباريات. وفيه ناس بطّلت تصدق وما اخدت احتياطاتها» يقول جوني. وبحسب الأخير وصلت «اخبارية» ليلاً، قبيل الاجتياح بساعات، تتحدث عن حشد 13 حافلة، يتسع كل منها لـ 27 مسلحاً، في قرية شندر الواقعة تحت السيطرة التركية، والقريبة من مخفر القمة. «استنفرنا بضيعة سكوران والصخرة وأمسكنا محورين فقط من أصل 7 محاور هاجمونا منها. سيطرنا على شرق وغرب مخفر القمة اللي ما كان فيه إلا عناصر شرطة»، يضيف. مجموعة جوني تكونت من 13 شخصاً، واتجهت إلى مخفر القمة. المفاجأة كانت بمواجهتهم من قبل 120 مسلحاً ملثماً موزّعين على مساحة كيلومتر واحد، قبل مخفر القمة. يصف جوني الحقائب التي يحملونها على ظهورهم، وطريقة تنظيمها، ويخلص إلى نتيجة: «إنهم من قوات المهمات الخاصة التركية». تراجع السائق ومعه شخصان، بسبب استحالة المواجهة، وبقي 10 أشخاص منهم يواجهون الموت، ما اضطرهم إلى النزول في وادٍ خطر لا مجال للتحرك فيه. يقدّر جوني ورفاقه ساعات حصارهم بـ 7 ساعات من دون أي مؤازرة، إلا أن وجودهم في المكان، بنظره، هو الذي أخّر سقوط كسب. «أخدوا التلال فحكمونا بعدد هائل من القناصين». «مؤازرة الدفاع الوطني وصلت بعد ساعات، وبعدها كثرت المؤازرات» يقول موريس، مقاتل آخر. سقوط كتيبة نبع المر، بحسب الأخير، خلقت بلبلة أدت إلى تراجع قوات الجيش وصولاً إلى بلدة النبعين حيث حوصر عدد من القادة العسكريين السوريين. بحزم يردد الشاب الثلاثيني: «لولا تركيا ما قدروا بحياتن يدخلوا». وحسب قوله، فإن اللجان الشعبية والدفاع الوطني، وحتى عناصر الأمن، لا يملكون خبرة وقوة الجيش، ولا سيما بفتح 7 محاور شتّتت قوات المؤازرة. المخطط، بحسب المقاتل الأرمني، «كان رهن كل أهل كسب الأرمن، برعاية تركية، للتفاوض مع القيادة السورية، إلا أن المقاتلين الأرمن منعوا نجاح هذا المخطط».
المسلحون الذي احتلوا كسب سرقوا محتويات بيوتها وجرارات مزارعها. تحدّثت بعض الفصائل المتشددة عن ذلك في بيانات علنية. بعضها انتقد ما جرى، لكن غالبيتها أيّدت ذلك على أساس جواز التصرف بالغنيمة. يحمّل موريس مسؤولية نهب كسب إلى زعيم إحدى المجموعات المسلحة المعارضة التي نشطت في ريف إدلب الغربي وريف اللاذقية الشمالي. يرى موريس سبب النكسة العسكرية في كسب، في الحاجة إلى أكثر من ألفي عنصر لحماية حدود تصل إلى 22 كيلومتراً. ويستشهد بمحاولة سابقة للمسلحين، قبل سنة، الهجوم عبر محور قرية الصخرة، إلا أن القوات السورية كانت بجاهزية كاملة تلاشت أمام الهجوم الأخير. يتردد الرجل على مناوبات الجبهة المفتوحة على التلال المحيطة بكسب، وينقل لـ «الأخبار» أن استعادة الجيش سيطرته على جبل تشالما لا يحتاج لأكثر من ساعات معدودة. في حين تستغرق السيطرة على جبل النسر، المطل على كسب، وقتاً إضافياً، إنما غير طويل.



يمكنكم متابعة مرح ماشي عبر تويتر | @marah_mashi




«تلغراف»: أنقرة سهّلت هجوم كسب

كشفت صحيفة «تلغراف» البريطانية أنّ تركيا «سهلت هجوم المقاتلين الإسلاميين على بلدة كسب» في ريف اللاذقية الشمالي. ومنحت السلطات التركية المجموعات المسلحة التفويض الذي كانت تحتاجه لشنّ الهجوم، فسمحت للمسلحين بالوصول عبر موقع حدودي عسكري، يُعدّ حيوياً واستراتيجياً لنجاح الهجوم، بحسب الصحيفة. وروى أحد سكان المدينة أن قريبه قصد مركزاً حدودياً رئيسياً ليلة الهجوم، ورأى المقاتلين الإسلاميين يقفون مع الجيش التركي، حيث بدأوا إطلاق القذائف من الحدود. «قدمت لنا تركيا خدمة كبيرة»، تنقل الصحيفة عن ناشط سوري مع المسلحين. الرجل الذي طلب عدم الكشف عن اسمه أضاف: «سمحوا لرجالنا بالدخول من حدودهم».
(الأخبار)