مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خمسة مرشحين آخرين يتبارون اليوم للوصول إلى قصر الرئاسة الكائن في أعالي العاصمة الجزائرية. وأوفرهم حظاً، على الأقل من الناحية النظرية، هو المحامي ورئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، ابن جبهة التحرير الوطني وغريم بوتفليقة في انتخابات الرئاسة عام 2004 التي يقول إنه كان الأحق بالفوز فيها لولا التزوير.


كان من الطبيعي أن تتعالى أصوات تندّد بسعي الرئيس المرشح إلى ولاية أخرى نظراً إلى وضعه الصحي الذي تلى إصابته بجلطة دماغية العام الماضي، أبعدته عن الوطن وأهله وشؤونه لمدة فاقت 80 يوماً، تلتها بعد عودته فترة نقاهة لا تزال مستمرة وتتميز بحدّ ملحوظ من مهمّاته الرئاسية التي يخوّله إيّاها الدستور ويوجبها عليه، ما جعل وسائل الإعلام الأجنبية والفرنسية منها خاصة تتندّر على الرئيس المريض في برامجها، بل وتحسب له عدد حركاته.
وكان من المتوقع أيضاً أن تتعالى أصوات أخرى مقابلة تنادي بالاستمرارية من أجل الاستقرار والسلم الأهلي اللذين تحققا برأيهم على يد بوتفليقة صاحب «الوئام المدني والمصالحة». يريدون لرئيسهم أن يبقى، لأن البديل في نظرهم غير موجود، ولأن المرشحين الآخرين لا يرقوْن إلى قامة بوتفليقة الذي يقولون عنه أيضاً إنه أعاد الجزائر الى المسرح الدولي بعد سنوات العنف الأعمى، وأنه صاحب المشاريع الكبرى من سكن وبنى تحتية أو هكذا يظنون، فضلاً عن أن المنادين ببقاء بوتفليقة ينظرون إلى ما يجري حولهم في دول الجوار من فوضى وعدم استقرار وقتل وتدمير فيقولون إن إبقاء الوضع على ما هو عليه هو الأضمن، عملاً بالمثل المصري: نصف العمى ولا العمى كلّه!
السؤال الذي نطرحه هنا في هذا المقام هو الآتي: هل المشكلة فعلاً في الترشح لولاية رابعة أو في الاتهامات بالتزوير التي أصبحت خبزاً موسمياً يتناوله الشعب في كل استحقاق انتخابي؟
إن المشكلة ليست في عدد الولايات الرئاسية أو الاتّهام بالتزوير بقدر ما هي في منظومة البلد برمّتها. وحين نقول المنظومة فإننا نعني بها الدولة والمجتمع أيضاً.

تميّزت فترة
حكم الرئيس بوتفليقة منذ عام 2000 إلى
اليوم بتفشّ صارخ
لآفة الفساد

إن الجميع يعرفون بأن الفائز بوتفليقة، وأكاد أجزم بأنه لن يفوز بالتزوير، وإن كان الوصول إلى الهدف بالطريقة المذكورة ليس مستحيلاً. إن فوز الرئيس المرشح يعود إلى أن شريحة واسعة من الناخبين تريده رئيساً للأسباب السالف ذكرها.
والأهمّ من ذلك كلّه، الوضعية المالية للجزائر بفضل ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، ما جعل البلاد تملأ خزائنها. فبدأت الدولة توزع شيئاً من هذا المال على بعض من الشعب. فكيف إذاً لا يريد استمرار بوتفليقة في الحكم؟
لقد بثّت إحدى القنوات المحلية تصريحاً لسيّدة قالت فيه: «بوتفليقة أو لا أحد. إنه والدنا أعطانا كل شيء». بل إن منهم من قال إنه «مستعدّ لانتخاب بوتفليقة ولو كانت صورته فقط هي التي توجد في قصر الرئاسة». وقال آخر إنه «مستعدّ لاتّباع الرئيس المرشح ولو دخل القبر!». ومن هؤلاء الكثير في هذا البلد. ومع الأسف هم من يُسمع لهم صوت، لا من يلهث وراء لقمة عيشه، هذا إن وجدها أو لا يجد مكاناً يسكنه. وهؤلاء آلَوْا على أنفسهم ألا يطأوا أي مكتب اقتراع و لو كان «تحت بيتهم».
إن البلد تتهدّده أخطار ومطامع من كل جانب، داخلياً وخارجياً. لكن يبدو أن الجميع لا يعي ولا يدرك خطورة الظرف، إما عن جهل وإما عن مصلحة شخصية آنية.
فمن يصرّ على الترشح، وهو أعلم الناس بحالته الصحية وبأنه يستحيل أن يباشر عمله كما يجب، يعلم جيداً أنه جزء من مشهد غير سويّ وأنه لن يجد من يحاسبه على الوعود التي قُطعت ولم تُنجز ولا على جعل سمعة بلد المليون شهيد تلوكها الألسن والأقلام.
إن العيب ليس في الإعاقة الحركية ولا في أن يجد الإنسان نفسه على كرسيّ متحرك، لأن هذا لن يثنيه عن أداء مهمته، ولنا أمثلة في الواقع وفي التاريخ المعاصر.
فقد كان آيزنهاور رئيساً لأميركا وهو على كرسي متحرك. وها هو وزير مالية ألمانيا فولفغانغ شاوبل يتنقل على كرسي متحرك أيضاً، وهو يدير أمور أول قوة اقتصادية في أوروبا وترتعد له فرائص دول مفلسة كاليونان أو على حافة الإفلاس مثل إسبانيا و إيطاليا.
لكن، أن لا يرى الشعبُ رئيسَه إلا في ما ندر ولا يسمعه يخطب ليطلعه على شؤون البلاد والعباد، ولا يراه يمثله في المنتديات العربية والدولية، ونلحظ أن الجميع قد وطّن نفسه على تقبّل هذا الوضع، فإن الأمر يدعو فعلاً إلى الدهشة والاستغراب، ويجعلنا نستنتج أن الأمر يتعدى مسألة ولاية رئاسية.
لقد تميّزت فترة حكم بوتفليقة منذ عام 2000 إلى اليوم بتفشّ صارخ لآفة الفساد، إلى درجة تفتّق القريحة اللغوية لبعضهم فسمّى الرشوة «قهوة» ليريح ضميره من عبء جريمة يعاقب عليها الدين قبل القانون. والجميع يعلم ما كان يتمتّع به الدين في الجزائر من مكانة. لقد كان أحد أسلحة الشعب التي واجه بها الاستعمار حين حاول أن يسلخه عن أمته ودينه ولغته.
هذا الفساد إذاً شمل جميع مفاصل الدولة وعلى كل المستويات، وبدأت موبقاته بالظهور، ابتداءً من فضيحة المؤسسة الوطنية للمحروقات سوناطراك، والتي لا تزال خيوطها متشابكة الى حدّ الآن وهروب أحد أهمّ المتهمين وهو وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل إلى الولايات المتحدة وفشلت السلطة إلى الآن في جلبه لمحاكمته.
ومن سوناطراك إلى فضيحة الطريق السريع الرابط بين شرق الجزائر وغربها بمسافة 1200 كلم، والذي حسب التقديرات الرسمية كان سيكلّف 11 مليار دولار حسب الأرقام الرسمية لعام 2011 فيما قدّر الخبراء كلفته بـ16 مليار دولار حين الانتهاء التام منه ليكون بذلك أغلى طريق سريع في العالم. وقد تخللت هذا المشروع صفقات مشبوهة شملت شخصيات جزائرية وأجنبية أيضاً.
مثل هذه الفضائح لم يكن ليوجد بهذا الشكل لولا الطفرة النفطية التي شهدتها البلاد في عهد الرئيس بوتفليقة. فقد كشفت الإحصائيات الرسمية أن الجزائر حققت من النفط في الفترة ما بين 1962 و2013 إيرادات تقدر بـ1 تريليون دولار، من بينها 800 مليار دخلت الخزينة ما بين سنة 2000 و2013.
و إذا استثنينا الـ200 مليار من احتياطي العملة الصعبة الموجودة حالياً في خزينة الدولة وتسديد ديون الجزائر الخارجية التي يحسب لبوتفليقة أنه سدّدها كلّها (قدرت بـ40 ملياراً عام 2000 إضافة إلى الفوائد) يحق لنا أن نسأل أين ذهب الجزء الأكبر من مبلغ الـ500 مليار دولار المحصّلة من ريع النفط؟
إن جزءاً من تلك الأموال استُعمل لشراء السلم الأهلي ولكمّ الأفواه، وهو نوع من أنواع «الرشوة». أصبح المال الوفير يبعثر يميناً وشمالاً وعلى غير هدى. أحد الأمثلة هو العشرة ملايين دولار التي صرفت على دعم تذاكر مشجعين لحضور مباراة مصر ــ الجزائر أواخر 2009 في أم درمان في السودان، في إطار نهائيات تصفيات كأس العالم 2010.
كيف صُرفت تلك الملايين والشباب لا يجد عملاً ولا مسكناً ولا ملاذاً له إلا ركوب البحر على متن قوارب الموت؟
مثال آخر على هذه الظاهرة هو القروض الميسّرة التي مُنحت للشباب العاطل من العمل، حيث استُغلت الأغلبية الساحقة من تلك القروض في شراء السيارات تحت لافتة وكالات لتأجير السيارات. وباعتراف الحكومة الجزائرية نفسها، فإن 30% من تلك القروض لا يتم سدادها. فماذا لو فكّر النظام في إقامة مشاريع اقتصادية لخلق مناصب شغل للشباب بدل مسكنات آنية هدفها إسكات وشراء رضى المواطن (وليس كل مواطن)؟
فهل يطمع أحد في تغيّر المشهد بولاية رابعة لبوتفليقة؟ ولمَ تغيير الوصفة ما دام المال وفيراً والمنتفعون كثُراً؟
إن الجميع في الجزائر، نظاماً وشعباً، بحاجة إلى لحظة من التجلّي يتخلّى فيها عن أنانيته وأفقه الضيق، ويدرك أن البلد فعلاً مهدّد. مهدّد في لُحْمته الاجتماعية التي ظهرت بوادر تصدّعها من خلال ما يجرى في مدينة غرداية (جنوب البلاد) من أعمال عنف أُلبست ثوباً طائفياً حين استهدفت سكان المدينة الأمازيغ أتباع المذهب الإباضي، فجرى إحراق المئات من بيوتهم ومحالهم والاعتداء عليهم، حيث سُجّل مقتل أكثر من 10 أشخاص في موجة العنف الأخيرة.
وجاء التحريض الخارجي ببثّ إحدى القنوات الفضائية العربية أخيراً برنامجاً تناول المذهب الإباضي، قال المشاركون فيه إن أتباعه من الخوارج واستحلوا دماءهم واستباحوا أعراض نسائهم!
لا ننسى في هذا المقام التهديد الخارجي المتمثل في الخطر الرابض على الحدود الشرقية والجنوبية. فليبيا مثلاً، تحولت إلى مشروع دولة فاشلة، وأصبحت مرتعاً لأجهزة مخابرات القوى الكبرى والصغرى وساحة للجماعات المتشددة والعمليات الإرهابية العابرة للحدود. وإلى جانب ليبيا، هناك تونس حيث يعلم الجميع ما يجري في جبل الشعانبي المتاخم للحدود الجزائرية من هجمات واستهداف لقوات الأمن. أما الحدود الجنوبية، وأخصّ منها الحدود مع مالي، فكلنا يعلم ما جرى ويجري هناك، خصوصاً بعد التدخل العسكري الفرنسي في ذلك البلد الذي يعتبر العمق الاستراتيجي للجزائر، مع كل ما يعنيه هذا من خطر.
ومن المؤسف أن انحسار نفوذ الدبلوماسية الجزائرية في دول الساحل إجمالاً، أتاح الفرصة للجار المغربي أن يدخل الحديقة الخلفية لعملاق شمال أفريقيا، فيطلق المشاريع ويكوّن الأئمة (500 إمام مالي تكوّنوا في المعاهد المغربية) إضافة إلى الزيارات المتكررة لعاهل المغرب إلى مالي (زيارتان في 6 أشهر) بينما لم يحدث أن زار بوتفليقة مالي أو غيرها من دول الساحل ولو مرة واحدة طيلة سنوات حكمه الـ15.
رغم كل ما تقدّم، فإن الجزائر ليست بحاجة إلى ما اصطلح على تسميته زوراً وبهتانا الربيع العربي. لقد عانت الأمرّين خلال تسعينيات القرن الماضي، فارتكبت المجازر و فُخخت السيارات وقُطعت الرؤوس وبُقرت البطون. وما زالت ندوب تلك الفترة المؤلمة ظاهرة ومغروزة في وجدان الأمة، ولا أحد يريد لها أن تعود.
لكن حتى لا تعود، يجب معالجة الأسباب التي أدّت إلى انفجار الوضع بالشكل الذي كان. نحن بحاجة إلى جمهورية ثانية نبنيها على أسس صحيحة، فتكون الجزائر في مستوى نضالها وتضحيات شهدائها على مدى التاريخ. وهذه مسؤولية يشترك فيها الجميع.
فمن الظلم أن نرسم طريقاً مظلماً لبلد زاخر بموارده الطبيعية وشبابه الذي يشكل أكثر من ثلاثة أرباع السكان.
يجب أن نتّعظ بما جرى ويجري في الداخل والخارج، وما هذا الخارج عنّا ببعيد! فهل من يسمع؟




260 ألف شرطي و23 مليون ناخب


ينتخب الجزائريون اليوم رئيسهم في اقتراع يجري تحت حراسة أمنية مشددة، ومنافسة بين عبد العزيز بوتفليقة الذي يسعى لولاية رابعة، وعلي بن فليس (الصورة) الذي حذّر مراراً من التزوير، ورئيسة حزب العمال التروتسكي والمرأة الوحيدة المرشحة لويزة الحنون، بالإضافة إلى ثلاثة مرشحين آخرين هم موسى تواتي، عبد العزيز بلعيد وعلي فوزي رباعين، ما زاد من التوتر في الحملات الانتخابية. وسيعمل على تأمين الانتخابات أكثر من 260 ألف شرطي ودركي لحماية نحو 23 مليون ناخب سيدلون بأصواتهم في 50 ألف مكتب تصويت، لاختيار رئيس من بين المرشحين الستة. ويترشح بوتفليقة لولاية رابعة، رغم متاعبه الصحية التي أعقبت إصابته بجلطة دماغية العام الماضي استدعت غيابه عن الجزائر ثلاثة أشهر للعلاج في باريس. وما زال الرئيس يخضع لإعادة تأهيل وظيفي لاستعادة قدرته على الحركة والنطق.