القاهرة | من المؤكد أن العام الدراسي الحالي في مصر هو الأعنف في تاريخ البلاد. لم يسلم طلاب المحروسة في كل المراحل الدراسية من الثانوي وحتى الجامعي من عنف السلطات الأمنية بحجة قانون التظاهر. ونحجت جماعة الإخوان المسلمين في إبقاء مواجهتها مع السلطات القائمة بعد «3 يوليو» حيّة وحاضرة بقوة بعد فض اعتصامي «رابعة العدوية» و«النهضة». وأثبتت الجماعة قوة حضورها في الوسط الطلابي بعد التراجع الكبير في الحشد في الشارع، ونجحت في أن تضع السلطات في مواجهة مع الفئة الأهم التي كانت الشرارة لثورتي «25 يناير» و«30 يونيو».


17 طالباً قتلوا في الجامعات المصرية منذ بداية العام الدراسي الحالي، خمسة منهم داخل جامعة القاهرة، بينما قتل تسعة آخرون في جامعة الأزهر، وثلاثة في جامعات عين شمس وأسيوط والإسكندرية، آخرهم الطالب محمد عادل الذي قتل داخل جامعة القاهرة الاثنين الماضي. هذا بالإضافة إلى المئات من الجرحى.
وفيما غابت الإحصاءات الرسمية عن عدد المفصولين من الجامعات، يبقى الرقم المتداول المعروف ما أذاعته حركة «الحرية للطلاب» وبلغ 300 طالب، فيما بلغ عدد المعتقلين 1300 بحسب الباحث في مؤسسة حرية الفكر والتعبير محمد عبد السلام. كما سجل اعتقال 80 أستاذاً جامعياً. وظلت حدة العنف تتزايد داخل الجامعات، وفي محيطها حتى وصلت إلى مداها بثلاثة تفجيرات متتالية وقعت قبل أسبوعين في محيط جامعة القاهرة، قتل على أثرها عميد شرطة وأصيب خمسة جنود آخرين من قوات التأمين التي تحيط بالجامعة.

17 طالباً قتلوا
حتى الآن فيما بلغ عدد المعتقلين 1300



حدة المواجهات في الجامعات دفعت الحكومة إلى تكثيف حضور الشرطة خارج أسوارها، وتحول محيط العديد منها إلى ما يشبه الثكن العسكرية، بعد تمركز دائم لقوات الشرطة وجنود الأمن، بالقرب منها، للتدخل في حال خروج أي تظاهرات من الجامعة، أو في حال وقوع أي أعمال عنف أو شغب. وفيما رفض المجلس الأعلى للجامعات وجود الشرطة داخل أسوار الجامعات، والاكتفاء بوجودهم خارجاً بعد توقيع بروتوكول مع وزارة الداخلية، يقضي بتمركز قوات الشرطة حول الجامعة، ودخولها إلى الحرم الجامعي في حال استدعائها فقط، أنيطت مهمة تفتيش الطلاب بالأمن الإداري التابع للجامعات.

جامعة القاهرة: تظاهرات مستمرة وشرطة متحفزة

في ظل الأجواء التصعيدية بين «طلاب ضد الانقلاب» والمتحالفين معهم وقوات الأمن، ثمة فئة من الطلاب من الذين لم يسلط الإعلام الأضواء عليهم. الطلاب غير المنتمين إلى أي خلفيات سياسية والذين أصبحوا يعانون من شعور بعدم الأمان ويعيشون هاجس الخوف على حياتهم أولاً من أن يتعرضوا للأذى، من دون أن يكون لهم دور في الصراع الدائر، وثانياً الخوف على عامهم الدراسي من أن يذهب سدى.
الطالبة دعاء محمد، من كثيرين آلوا على أنفسهم عدم التوجه إلى الجامعة بعدما أجرت امتحانات الفصل الدراسي الأول على أصوات قنابل الغاز وطلقات الخرطوش التي أطلقتها الشرطة في اشتباكات مع الطلاب في كانون الثاني الماضي، بسبب عدم شعورها بالأمان.
دعاء طالبة في السنة الثانية في كلية العلوم في جامعة القاهرة، وتعتمد دراستها بالأساس على تجارب وأبحاث تجريها داخل معامل الجامعة. إلا أنها تقول لـ«الأخبار» إن «الخروج إلى الجامعة أصبح يحمل مغامرة كبيرة، فبين دقيقة وأخرى، قد تشتعل الأحداث، ولا أحد يستطيع التنبؤ بما يمكن أن يحدث».
وتتابع «في يوم الانفجار (قبل أسبوعين) كنت موجودة في الجامعة ورأيت الجنود المصابين، وهذا سبّب ضرراً نفسياً كبيراً لي، وقررت عدم الحضور إلى الجامعة إلا لتأدية الامتحانات، أو تسليم أوراق بحثية، واتفقت مع أستاذتي على أن أتابع دراستي عبر الإنترنت. ورغم أنهم لم يعطوني موافقة نهائية بهذا الشأن، إلا أنني اتخذت قراري بعدم الذهاب إلى الجامعة في ظل هذه الظروف، وسأنفذه على أي حال».
ومنذ بداية العام، تصدرت حركة «طلاب ضد الانقلاب» الدعوة إلى التظاهرات في الجامعات. وتدعو الحركة إلى أغلب فعالياتها في يومي الأحد والأربعاء من كل أسبوع، والتي غالباً ما تبدأ بتظاهرة تجوب أروقة الجامعة، بهتافات مطالبة بإسقاط «الحكم العسكري»، وعودة «الرئيس الشرعي»، وهتافات تندد بدخول الشرطة إلى الحرم الجامعي، واعتقال الطلاب، وأخيراً الاعتراض على ترشح المشير عبد الفتاح السيسي. يجنح الطلاب في أغلب الأحيان إلى الخروج بتظاهراتهم من الجامعة، وهو الأمر الذي ينهيها دائماً باشتباكات مع قوات الأمن المتمركزة في محيط الجامعة.
عضو حركة «طلاب ضد الانقلاب» محمود طعيمة أوضح لـ«الأخبار» أن الحركة «لا تسعى إلى وقوع اشتباكات مع قوات الشرطة لأننا دائماً نكون الطرف الخاسر، سواء باعتقال البعض منا، أو إصابة الطلاب أو قتلهم، لكن ما يحدث أننا أحياناً نريد أن نخرج بتظاهرتنا خارج نطاق الجامعة ليصل صوتنا بشكل أعلى، فتعتدي قوات الأمن علينا».
ويرى طعيمة أن قرار المجلس الأعلى للجامعات بعدم دخول قوات الشرطة إلى الجامعة وتمركزها بالقرب من أسوارها، خطوة تراجعية لتلاشي غضب الطلاب واستفزازهم من الوجود الدائم لقوات الشرطة داخل الجامعة.
إلا أن سارة، الطالبة في السنة الرابعة في كلية الآداب، ولا تنتمي إلى أي فصيل سياسي، ترى أن وجود قوات الشرطة داخل الجامعة أو بالقرب منها أمر ضروري، وخاصة مع وقوع أحداث العنف داخل الجامعة، إذ تقول «وجودهم يعطي اطمئناناً نسبياً، لكن أفضل أن يظلوا خارج الجامعة ولا يدخلوها إلا في حال استدعائهم».
أما أحمد شعبان نائب مسؤول الطلاب في حركة «6 إبريل» فقال لـ«الأخبار» إن «قوات الشرطة يجب أن تبتعد عن الجامعة ومحيطها تماماً، لأن وجودها يمثل عامل استفزاز كبير للطلاب، ويسبب المزيد من التوتر وتفاقم الأحداث، وخاصة أنهم يقفون أمام الجامعة مسلحين بالكامل، وهذا يعجل بوقوع الاشتباكات، سواء بينهم وبين طلاب ضد الانقلاب، أو بين الطلاب العاديين».
الأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، الدكتور أحمد عبد ربه، أوضح لـ«الأخبار» أن «أزمة الجامعة الحقيقية هي ما يحدث خارجها، ففي الجامعة حركة طلاب ضد الانقلاب التي تجنح إلى العنف أحياناً، ووزارة الداخلية التي تقف على أعتاب الجامعة متحفزة لضرب الطلاب والرد عليهم، وبينهم طلاب عاديون يريدون مواصلة دراستهم وأساتذة يريدون التدريس». وبرأي عبد ربه، فإن الحل في يد النظام السياسي، واصفاً حالة العنف داخل الجامعة بأنها انعكاس للعنف في المجتمع العام خارج الجامعات، والانقسام السياسي الشديد في النظام السياسي داخل البلد.
ويرفض عبد ربه فكرة أن تتوقف الدراسة بالكامل، كما يرفض فكرة أن يأتي الطلاب إلى الجامعة وهم لا يشعرون بالأمان، موضحاً أن هناك محاولات للترميم كي يستمر الفصل الدراسي. فعلى سبيل المثال، اتخذت كلية الاقتصاد والعلوم بالجامعة قراراً بالتساهل في درجات الحضور والغياب، وأعمال السنة للطلاب، كما أنها بدأت فعلياً في تصوير المحاضرات وعرضها على الإنترنت للطلاب الذين لا يستطيعون الحضور إلى الكلية، إلا أن هذا القرار لم يتخذ على مستوى الجامعة كلها.

جامعة الأزهر: تظاهرات يومية ودراسة مضطربة

يختلف الوضع في جامعة الأزهر عن باقي الجامعات المصرية، فطلابها مثلوا نسبة كبيرة من المشاركين في اعتصامي «رابعة العدوية» و«النهضة»، وقتل العديد منهم خلال فض الاعتصامين، كما ألقت قوات الشرطة القبض على عدد كبير من الطلاب خلال عملية الفض، أو ما تبعها من أحداث، الأمر الذي جعل الوضع مشتعلاً من أول يوم دراسة في الجامعة، مطلع أيلول الماضي، بسبب تظاهرات الطلاب التي تخرج بشكل شبه يومي. وفي تصريحات صحافية لنائب رئيس الجامعة الدكتور توفيق نور الدين، قال إن «الجامعة اتخذت إجراءات عقابية ضد ما يزيد على 1000 طالب منذ بدء العام الدراسي، من بينهم 152 طالباً قررت الجامعة فصلهم بشكل نهائي، بينهم 52 طالباً تم فصلهم الاثنين الماضي».
ويرى نور الدين أن الوجود الدائم لقوات الشرطة داخل جامعة الأزهر، أدى إلى تهدئة الأوضاع نسبياً، وجعل الطلاب يبتعدون بتظاهراتهم عن المباني والمنشآت الرئيسية للجامعة.
«أصبحنا لا نذهب إلى الجامعة إلا للضرورة أو لتأدية امتحان»، قالها الطالب محمد حسين في السنة الثالثة في كلية التجارة. محمد لا يهتم بالسياسة حسبما يقول، وهذا سبب آخر يجعله لا يفضل الذهاب إلى الجامعة، حيث يوضح «أن تذهب إلى الجامعة في تلك الظروف معناه أنك تؤيد الطلاب المتظاهرين، أو أنك شخص سلبي يذهب إلى الجامعة ويرى أصدقاءه يعتقلون ولا يفعل لهم شيئاً».
ورغم تأكيدات إدارة الجامعة مراراً انتظام العملية الدراسية، وعدم تأثرها بالأحداث والاشتباكات التي تقع، توضيح يؤكده حسين بقوله لـ«الأخبار» إن «الأساتذة يتفهمون تداعيات الأحداث فى الجامعة، وباتوا لا يحاسبوننا على درجات حضور المحاضرات، وخاصة في الأيام التي تقع فيها اشتباكات».
محمد سامح طالب في السنة الثانية في كلية التجارة، روى لـ«الأخبار» عن حالة الدراسة في جامعة الأزهر قائلاً: «أي أمور تحدث في الجامعة تؤثر على الدراسة، وخاصة أننا بدأنا الدراسة في الفصل الدراسي الثاني متأخراً شهراً كاملاً، وصدر قرار من المجلس الأعلى للجامعات ببدء الامتحانات في يوم 30 نيسان، ونحن لا نعرف ماذا سنفعل في المناهج في ظل هذا الوضع».
محمد هو أمين طلاب حزب مصر القوية في الجامعة، إلا أنه قال «إن طلاب مصر القوية لا يشاركون في أي أحداث أو تظاهرات تدعو إليها حركة طلاب ضد الانقلاب، لأننا كمصر القوية لا نؤمن باستدراج الحياة السياسية من خارج الجامعة إلى داخلها».
ويضيف سامح «لدينا بعض المطالب والقضايا التي نتشارك فيها مع طلاب ضد الانقلاب، إلا أنهم يضفون صبغة سياسية على كل فعالياتهم وتظاهراتهم وهو ما نرفضه، فالقضايا الطلابية يجب أن تظل بعيدة عن السياسة».




إبعاد الشرطة والحوار السياسي هما الحل

حمّل الباحث في المرصد الطلابي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير الحقوقية، محمد عبد السلام، المسؤولية الكبرى للأوضاع التي وصلت إليها الجامعات إلى من سمح لقوات الشرطة بأن تتدخل لفض التظاهرات داخل الجامعة وتلقي القبض على الطلاب بشكل عشوائي. وأوضح عبد السلام أن مؤسسة حرية الفكر والتعبير «أوصت في ورقة موقف، لمحاولة تهدئة الأوضاع داخل الجامعة، بمطالبة الطلاب المتظاهرين بالتزام السلمية، إلا أننا لو قارنا العنف الذي يستخدمه الطلاب، مقارنة بدرجة العنف التي تستخدمها الشرطة ضدهم، نكاد لا نذكر عنف الطلاب، في مقابل عنف الشرطة». ويؤكد عبد السلام أن فصل الطلاب وتدمير مستقبلهم قد يدفعهم دفعاً إلى استخدام العنف، وخاصة أن الطلاب يستمرون في الذهاب إلى جامعتهم بعد صدور قرارات الفصل ضدهم. الحل برأي عبد السلام «في استخدام حلول سياسية وتخفيف العقاب بقرارات الفصل النهائي وإيقاف الأنشطة الطلابية، وأهمها إبعاد كامل للشرطة عن المشهد الطلابي، وتدريب أمن إداري قادر على السيطرة على الأوضاع في حال حدوث حالات عنف».