نولد مرة واحدة، إنها حتميّة الطبيعة. وحدهم الشغوفون يولدون اكثر من مرة، فهم يعرفون جيداً أن عليهم تمزيق اغشية ارحام لامتناهية كي يبلغوا الحياة! وهناك، في ناحية ما من صحراء النقب جنوب فلسطين المحتلة، حتّمت قوانين الطبيعة القاسية وشريعة الاحتلال على قرية بكاملها أن تكون من الشغوفين.

للمرة التسعين وثلاث قبل المئة! تهدم جرافات الاحتلال بيوت قرية العراقيب الفلسطينية المسلوبة «الاعتراف». ساعات أو أيام وعلى الأكثر شهر، تفصل 500 فلسطيني عن هدم بيوتهم وذاكرتهم مجدداً، بعدما أعادوا بناءها للمرّة الثالثة والتسعين، فيما لا عبارة على ألسنتهم سوى «هم يهدمون ونحن نبني، لأننا نحب الحياة».

■ ■ ■


يقف أطفال العراقيب على أنقاض منازلهم، وهي لطبيعة الصحراء ليست عمارات شاهقة أو بيوتاً اسمنتيّة، بل خيم وصفائح من الزنك، والنايلون، والبلاستيك.
كانت تكفيهم أشجار الزيتون التي اقتلعت بعدما قاومت الاحتلال مثلهم، لبعض من شقاوة البسطاء، ليلعبوا «بيت بيوت» أو «حبلة» أو «غميضة» كباقي أطفال العالم. وكانت الخيم المتواضعة -بيوتهم- تكفيهم سعادة ليومهم، وسكينة لقلوبهم لولا نزول لعنة إسرائيل عليهم ثلاثاً وتسعين مرّة، فشردتهم مع ذويهم في عراء الصحراء ليختبروا حرّها وبردها.
يستيقظ أطفال العراقيب في صبيحة كل يوم، لا يلعنون الساعة التي فتحوا أعينهم فيها على هذا العالم القاسي. يستقلون حافلة يسافرون فيها إلى مدينة راهط التي تبعد عنهم مسافة 10 كيلومترات، للدراسة هناك، فقريتهم المسلوبة الاعتراف بوجودها من قبل السلطات، لا مدارس فيها ولا خدمات صحيّة أو بنى تحتيّة، لا متنزهات أو حدائق كتلك التي عند «الجيران» الإسرائيليين محتلي أرضهم. يعرف الأطفال حكمة واحدة ورثوها كما ورثوا الأرض عن الآباء والأجداد: «العلم سلاح».

يقول سليم العراقيب وهو أحد سكان القرية إن «الهدم الأول كان عام 1948، تلاه هدمٌ ثانٍ عام 2010. ومنذ ذلك الحين تستمر حلقات مسلسل الهدم الإسرائيلي». يشاركه رفيقه عزيز العراقيب القول، مضيفاً أنهم هُنا منذ سنة 1905 أي قبل أن تجثم إسرائيل بثقلها على الأرض.
يردّ سليم على سؤال الغريب، سؤالنا نحن ساكني العالم الخارجي: «كيف تعيشون؟ أين تنامون؟ ماذا تأكلون؟ يجيب «كنّا نملك 4500 شجرة زيتون، ونفلح الأرض ونزرعها، وبعضنا الآخر يخرج للعمل في البناء داخل المدن والقرى المجاورة ويعود مع مُرتبٍ متواضع ليتحمل مصاريف من لا يقدر على العمل». يتأسف سليم عن المتابعة، شارحاً أنه لا يستطيع تقديم المزيد من المعلومات بعدما تضررت ذاكرته جراء استنشاق الغاز السّام، الذي رشته وحدة «يوآف» الإسرائيلية في كل مرة كانت تهدم فيها البيوت لتمنع الأهالي من مقاومتها.
يتابع عنه عزيز، فالإجابة لن تروي عطش الظمآن. «عنجد كيف عايشين؟!». لم تكن الإجابة «من قلة الموت»، كما توقعت. «عايشين لإنو بنحب الحياة والأرض. الأرض هي جذورنا». يضيف «استطعنا أن نمد الكهرباء إلى بلدتنا الصغيرة. روينا الأرض من حبنا فزرعنا الزيتون والقمح الذي دَرّ علينا الخيرات. ربينا الدجاج وأكلنا من لحمه وبيضه. وربينا الماعز فأكلنا من لحمها وشربنا حليبها... هيك كنّا عايشين ومبسوطين». يستدرك «لكن عنجهية الاحتلال وهمجيته حرمتانا حتى الطعام، ونحن اليوم نعيش على أبسط مقومات الحياة... الحمد لله على كل شيء».
أمّا كيف حرموا محاصيلهم الزراعية، فيروي عزيز إن طائرات إسرائيلية رشت مواد كيميائية سامة لقتلها، وأن عمليات الرش بدأت بالتحديد سنة 1999 وهي مستمرة حتى اليوم. «كانت تأتي طائرات الرش الإسرائيلية كل سنه في الوقت الذي تكون تكون فيه المزروعات خضراء يانعة، تسر قلوبنا، آملين جني محصول وفير من القمح والشعير والذرة والبطيخ».، لكن آلة الدمار والقتل الإسرائيلية والمتمثلة بالكيرن كييمت (الصندوق القومي لليهود) لم تكتفِ ذلك، بل أيضاً وفق عزيز، اقتلعت الزيتون وسنابل القمح لزرع السرو والأشجار الحرجية الدالة على هوية البلاد التي هاجر اليهود منها، إلى فلسطين، بغية محو التاريخ العربي الفلسطيني وجذوره، التي يرمز إليها عادةً بأشجار الزيتون والتين. ويضيف هُنا، أن رش المبيدات السامة قتل أكثر من 210 من رؤوس الماعز ما أفقدهم الثروة الحيوانية، كما تسبب في قتل عمه سعيد العراقيب.
طيب وين بيناموا؟ انتظر الإجابة بعد استئذان عزيز مني للقاء تلفزيوني، فيما عيني لا تترك نافذة الرسائل في موقع «فايسبوك». أخمن في رأسي الإجابة «بالخيمة وين بدهن ينامو يعني؟»، وحين يعود عزيز مجدداً يفاجئني برده «بالسيارة... إيه والله ننام داخل السيارت والشاحنات القليلة التي بقيت لنا قبل أن يصادر الاحتلال معظمها، وحين تمسح أول خطوط الشمس وجوهنا، نستيقظ فنبدأ البناء من جديد».
يعمي الحقد والكره قلوب أذرع المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، فعدا عن الهدم الذي تقوم به في كل مرة، واستعمالها للغاز السام والقنابل الصوتية والرصاص الحي والمطاطي فهي تسببت في حالات نفسية مرضية عند الأطفال «يستيقظون في ساعات الليل وهم يصرخون: إجت الشرطة عم يهدموا بيوتنا، إضافة إلى أنهم يتبولون لا إرادياً بسبب الخوف»، يقول عزيز.
ينهي حديثة متوجهاً إلى الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد احتلال اسرائيل لها عام 1948 قائلاً «لا تفرّطوا بشبر واحد، ولا تبيعوا أرضكم لليهود، وتعالوا وتضامنوا مع العراقيب». أمّا إلى الاشقاء العرب، فيدعو عزيز إلى « الكف عن قتل بعضهم بعضا والانشغال في صراعات داخلية سلطوية والالتفات إلى فلسطين وأبنائها».
صياح، والد عزيز، وهو شيخ القرية، يشرح كيف يستعيد الشباب همته بعد كل عملية هدم «بحماسة ونشاط يبدأ الشبان بإعادة البناء، يساعدنا على ذلك متطوعون من قرى وبلدات فلسطينية مختلفة... نحن هُنا، ومتر واحد لن نزيح عن أرضنا وسنبقى في العراقيب ما زال الدم يجري في عروقنا، وسنزرع هذا الحب والصمود في قلوب أحفادنا وابنائنا أيضاً».