برلين | في ثنايا أحاديثها التي لا يمل منها، تعرفنا على فلسطين بتفاصيلها، فلسطين التي حرمنا القدر أن نطأ جل أراضيها. في غرفتها الحنونة العابقة برائحة نعناع شايها المعتق، كنا نجلس بكل شوق وكلنا آذان صاغية لنبحر معاً في خيالنا، الذي أبدع في تصور قصصها المرويّة على أسماعنا، في حكاياتها التي كانت تقصّها بصوت تخنقه غصة وجع، تمكنا من زيارة منزلها الذي ولدت وكبرت فيه، جلسنا في تلك الصالة الكبيرة، حدودها زجاجية بإطلالة مباشرة على شاطئ يافا، استنشقنا عبق برتقالها الطازج، وزهورها الندية.

عبر رواياتها سرنا في أزقة القدس العتيقة، دخلنا كنائسها ومساجدها الملتحمة بعضها ببعض، كجسد واحد، جلسنا في بئر السبع بجلسة صحراوية عربية دافئة، وتغنّينا ببساطة أهلها وبشهامتهم، أبحرنا من ميناء عكا إلى ما بعد الأفق، تسلقنا الكرمل، لنرى حيفا على سفحه عروسا جميلة، مزينة بأشجار الصنوبر والزيتون، أما الجنة، فكنا نراقبها على مروج الجليل، ومن هناك رأينا جبل الشيخ شامخاً منتصباً كهامات الفلسطينيين يعانق السحب، وفي الناصرة قرأنا قصة أم كانت أولى المهاجرات، لتنجب الشهيد الأول، في بيت لحم، مدينة الحب والسلام. وفي قيصرية شاهدنا آثار الحضارات الرومانية، ومن سبقها وترك آثاره في أريحا، أقدم مدن التاريخ، تعرفنا على عادات أهل المدن والقرى واختلافات لكناتهم وأمثالهم الشعبية.
لطالما كانت تردد أن فلسطين هذه تلخّص كوكب الأرض كاملاً في حدودها، فما من بقعة جغرافية أخرى تجمع تضاريس الأرض كاملة كما فلسطين، وما من بلد يلخص حضارات البشرية في آثاره كما فلسطين، ولا من ثقافة أسست عقائد وأديانا وعلوما انتشرت في ربوع معمورتنا كتلك التي نشأت على أرض فلسطين.
كان فضولنا يحثنا مرارًا على محاولة سرقة بعض مقتنياتها النبيلة، ساعة حائط مطرزة يدوياً بألوان العلم الفلسطيني، صور فورية قديمة باللونين الأبيض والأسود من شتى المدن الفلسطينية، وثائق ملكية وصكوك تعود لبداية القرن الماضي، أو ما سبقه، منحوتات يدوية على أخشاب الزيتون، فضلا عن تلك الحقيبة المغلقة التي اصطحبتها مع والديها في رحلة الهجرة عام النكبة، والتي لا تزال ترفض فتحها إلا عندما تعود إلى يافا.
بلادي حزينة مثلك يا جدتي أو أكثر، فهي لا تطيق ثوبها الجديد المجرد من وخزات ابر الجدات وتطريزاتهن، لكنا نعدك أن نروي حكاياتك لمن بعدنا، نعدك بأن نصف لهم عنوان بيتك كما وصفته لنا- برغم أن بناءً عبرياً قد أقيم على أرضه. فلو لم نعد نحن يا جدتي، سيعودون هم لا محال!
دمت بخير ودامت فلسطين في ملامحك.