كيف لدولة من مِثل سلطنة عُمان أن تنأى بنفسها عن كلّ هذا الاضطراب الذي يحيط بها، وفوق ذلك أن تلعب أدواراً حسّاسة في بعض الملفات ذات التأثير الدولي، بحجم الملفّ النووي الإيراني؟ لو أريدت مقارنة الأوضاع المستقرّة تماماً في السلطنة، بما يواجهه سواها من تهديدات داخلية أو خارجية، لجاز وصف عُمان بأنها موناكو أو أندورا الخليج، علماً أنها من أفقر دول «مجلس التعاون الخليجي»، إلى درجة أنها احتاجت، خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008، إلى مساعدة بلغت قيمتها عشرة مليارات دولار من دول المجلس الغنيّة. وفي حين أن السلطنة لا تواجه تهديدات خارجية، فقد شكّلت التظاهرات الاحتجاجية على البطالة والفساد في مطلع عام 2011، تأثُّراً بما سُمِّي «الربيع العربي»، آخر تحرُّكات ذات وقعٍ جرت فيها.

راهناً، يصعب حتى العثور على خبر سياسي محلّي في صحيفة أو موقع إخباري عُماني. وحتى إن وُجد، فهو يتعلّق بنشاط ما لمجلس الشورى يتّصل غالباً بشأن حياتي للعُمانيين. لكن مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما «تويتر»، تشكِّل مساحةَ تعبير سياسي نسبي للمواطنين. وفي الواقع، لا حياة سياسية في عُمان بالمعنى التنظيمي للكلمة؛ ومردُّ ذلك، على ما يبدو، أن لدى السلطات حساسية خاصة تجاه تشكيل الأحزاب والتجمّعات السياسية بمختلف أشكالها، وهو ما يحدّ من فاعلية مجلس عُمان، المؤلَّف من مجلسَي الشورى المنتخَب والدولة المُعيَّن، سواء في التشريع أو في محاسبة الحكومة.
جرت مقاربة جزء صغير من المطالب السياسية للعُمانيين في النظام الأساسي الجديد الذي أصدره السلطان هيثم بن طارق، في 11 كانون الثاني/ يناير 2021، في ذكرى مرور عام على توَلّيه السلطة، والذي كُرِّس بشكل رئيس لتنظيم انتقال الحكم. فقد نصّ هذا النظام على إنشاء لجنة تعمل تحت إشراف السلطان لتقييم أداء الوزراء والمسؤولين البارزين الآخرين، كما على إنشاء هيئة عليا للإشراف على الانتخابات (علماً أن البرلمان يعمل على تطوير القوانين غير السياسية، وقد أقرّ، أخيراً، على سبيل المثال، قانوناً يمنع الاغتصاب الزوجي). وفي ما يتّصل بانتقال السلطة، تضمَّن القانون الأساسي الجديد آليات مفصّلة بدقّة للوراثة، وقضى بتعيين ولي عهد، هو النجل البكر للسلطان، ذي يزن. ففي النظام الأساسي السابق الذي أصدره قابوس عام 1996، كان يتمّ اختيار السلطان الجديد خلال ثلاثة أيام من وفاة السلطان، بإحدى آليتَين: الأولى اتفاق مجلس العائلة على اسم السلطان، فإذا تعذَّر ذلك يجري فتح وصيّة السلطان الراحل بعد انقضاء الأيام الثلاثة، ويُعلَن الاسم الموجود فيها سلطاناً للبلاد. وربّما يعود هذا إلى الوضعية الخاصّة للسلطان السابق الذي لم يكن له ولد، وامتنع عن استحداث نظام ولاية العهد، بهدف تجنُّب إثارة صراع على السلطة بين أركان أسرته. لكن انتقال السلطة إلى هيثم، أظهر أن الرهان على اتفاق مجلس عائلة آل سعيد، قد لا يكون عملياً. فقد فشل مجلس العائلة في الاتفاق على اسم، وكان اسم هيثم هو المكتوب في وصيّة السلطان الراحل، إلا أن فتح الوصية تمّ قَبل مرور الأيام الثلاثة، ما اعتُبر خرقاً للقانون الأساسي السابق.

جرت مقاربة جزء من المطالب السياسية للعُمانيين في النظام الأساسي الجديد الذي أصدره السلطان


أمّا العامل الرئيس لاستقرار الحكم العُماني وسلاسة انتقال السلطة، فيعود إلى أنه منذ الانقلاب غير الدامي الذي أطاح خلاله قابوس أباه سعيد بن تيمور، في 23 تموز/ يوليو 1970، لم تَعرف السلطنة إلّا حدثَين كبيرين تعاملت معهما بما يكفل عدم تكرارهما: الأوّل، حين أخمد السلطان نهائياً «ثورة ظفار» التي قادها اليسار وامتدّت منذ حكم أبيه في ستينيات القرن الماضي إلى عام 1975؛ والثاني، عندما شنّ قابوس، في عام 1994، حملةً قاسية على أفراد جماعة «الإخوان المسلمين» الذين تغلغلوا في أجهزة الدولة، أسفرت عن اعتقال العشرات من المسؤولين والدبلوماسيين والضباط الذين تلقّوا أحكاماً بالإعدام أو السجن المؤبّد. لكن السلطنة لم تعزل نفسها يوماً عمّا يجري في محيطها. وهي كانت ولا تزال وسيطاً في أصعب القضايا، مثل مفاوضات حرب اليمن التي خِيضت الجولة الأخيرة منها على أرض السلطنة، قبل أسابيع، بين «أنصار الله» والأميركيين، والأزمة بين قطر ورباعيّ المقاطعة السابقة، إلى جانب المفاوضات المتجدِّدة حول الملفّ النووي الإيراني. وكانت دائماً تنتهج سياسة خاصّة بها، وهو ما ظهر في كونها من الدول القليلة جداً في العالم كلّه التي حافظت على علاقاتها مع الدولة السورية في أحلك الظروف، حين لم يبقَ لدمشق إلّا بعض الأصدقاء، ممَّن هم في الحقيقة حلفاء. ولهذا، كانت الزيارة الخارجية الأولى لوزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، إلى السلطنة. فالأخيرة لم تشارك في دعم معارضة مسلَّحة في دولة عربية أخرى، ولم ترسل طائراتها لقصف مواقع هذا الفريق أو ذاك في هذه الدولة أو تلك لمصلحة فريق ضدّ آخر.
ومِثلها مثل غيرها من دول الخليج، حظيت عُمان، قديماً، بضمان أمني بريطاني، وَرِثه آخر أميركي، تنظّمه حالياً اتفاقات تتيح لقوات الولايات المتحدة استخدام الموانئ والمطارات، وإن كانت السلطنة لا تستضيف قواعد عسكرية أميركية ثابتة. لكن ذلك وحده لم يكن كافياً لحماية دول خليجية أخرى من الحرائق، سواء عند انتقال السلطة أو عند وقوع أحداث كبرى في الجوار. وعلى رغم أن السلطنة تقيم، منذ زمن طويل، مستويات مختلفة من العلاقات مع إسرائيل، إلّا أن وزير خارجيتها، بدر البوسعيدي، أعلن، في شباط/ فبراير الماضي، أن مسقط تكتفي بالوضع الحالي للعلاقات مع تل أبيب، بعد ترويج إسرائيلي لكونها تتّجه نحو إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، مثلما فعلت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان. وكانت مسقط قد تبادلت مع كيان العدو إقامة مكتبَي تمثيل تجاري بعد «اتفاق أوسلو»، لكنها سحبت مكتبها إثر اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في عام 2000، ثمّ عادت الاتصالات لتُستأنف في 2008، وزار السلطنة علناً رئيسان للوزراء في إسرائيل (إسحق رابين في 1994، وبنيامين نتنياهو في 2018).

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا