ذاكرة في طور التشكّل. تتبادل النساء أسراراً صغيرة في العادة، وقد يتبادلن الخبرات أو الأخبار. أما أن يتبادلن ذاكرتين حافلتين بمرارة من ثلج، فذلك، لا بدّ، يعني أنّ خيمتين مختلفتين قد احتوتهما في زمانين ومكانين متباعدين. ويعني أيضاً أنّ تبادلهما ذلك الحديث كفيل بأن يكوّن لهما ذاكرة واحدة، بوجهين متطابقين في جسد العروبة المثخن.

برد الخيمة المحاطة بالثلج ما زال يتكدّس في تعابير سمر. سمر الاسم الوهمي للاجئة سورية تقول إنها في تلك الليلة انهارت تحت ضغط خيالها والصقيع. تقول إن الخيمة صارت ثلاجة موتى، وعينيها المحتفظتين بصور المجزرة تريانها جسدها على هيئة جثة. جثة أخطأها الموت، فبقيت على قيد التنفس، وأخطأتها الحياة فوضعتها مع آخرين، كثر وكثيرات، في قائمة اللاجئين تحت أسقف مستعارة وخلف أبواب مشرَّعة للهواء وللجمعيات التي تتاجر بهم تحت عنوان "المساعدات الإنسانية". اختنقت بخيالها، بذاكرتها، وبالبرد المتمسك بجسدها كوحش بليد. تهرب إلى قرب النار الضئيلة في الموقد. ترتمي فوقه، ومن هناك إلى مستوصف ميداني، وبعده إلى بيت خالتها في مخيّم آخر. في مخيّم أكثر دفئاً. ليس لأن شروط الحياة فيه أفضل، بل لأن الثلج لن يتراكم في بيروت، وإن فعل، فالجدران مهما أنهكها الإهمال تصدّ البرد أكثر من خيمة قماشية في البقاع.
كانت تتأمل وجه خالتها، كمن يستجدي دليلاً وحيداً على حياته الأخرى قبل اللجوء. تحدثها طوال الوقت عن زيارتها الأخيرة لهم في سوريا، وكيف كان أولاد الخالة يحسدونهم على ظروف حياتهم المستقرة هناك، والآمنة. كانوا فقراء بحسب قولها، لكنهم كانوا ينعمون بالجدران وبالدفء. تبتسم لها خالتها، تمسّد وجهها وتكرر بلهجة فلسطينية اكتسبتها بعد عمر من زواجها بالفدائي الذي أحبته وتزوجت به "خطيفة" قبل أكثر من ثلاثين عاماً: "شدة وتزول ولك خالتي! شدة وتزول". تقاطعها قريبة زوجها: "كانت زالت شدتنا خيتا". تبتسم سمر وتهزّ رأسها من بعيد. وتحتل "الشدّة" هواء المكان. تنسحب الخالة إلى مطبخها وتتمنى لو تستطيع أن تستجلب نكهة ما، لا تعيد سمر إلى رائحة طبخ أمها ونوبات البكاء. فأم سمر وأخوتها، لا يستطيعون القدوم إلى بيروت حيث لا قريب لهم إلا هذه الخالة التي بالكاد يتسع بيتها لعائلتها، والتي استضافت سمر نظراً إلى سوء وضعها الصحي والعصبي، وضمناً لرغبة منها بأن تصبح سمر الكنّة السورية التي ستنجب لها أحفاداً يتمتعون بحياة بعيدة عن جدران المخيم. في الغرفة، كان حديث آخر، بعيد كل البعد عن أحلام الخالة وعن رائحة ملوخيتها. كانت سمر تخبر الحاجة أم جهاد عن تفاصيل ارتحالها وعائلتها من الشام إلى الخيمة. عن الثلج المفترس الذي ينهش العظام. عن رفاقها في المدرسة، وعن أشياء لا يعرفها إلا المرتحلون قسراً وظلماً عن ديارهم. في لحظة ما، توقفت أم جهاد عن الإصغاء إلى صوت سمر، بل صار صوت سمر هو الأداة التي تخبر بها قصة أخرى. قصة الرحيل عن فلسطين. قصة سمعتها مراراً وتكراراً من أمها، وتعيدها عليها هذه الصبية التي انهارت في الخيمة فانتقلت إلى مخيم بشكل آخر واسم آخر. قصة العزّ الذي أعياه الرحيل بين الخيام والذي يأبى الموت فيتجدد على هيئة منبّه يذكر المرتحلين بأن الخيمة قد تتطور لتصير بيتاً، والمخيم قد يكبر ليصير مدينة أو ضاحية مدينة، لكنه يبقى اغتراباً ويبقى باباً مشرّعاً للبرد. ليس ذلك البرد الذي قد يزيله موقد وحطب. البرد الآخر. ذلك الشبيه بثلاجات الموت حيث يتجمد القلب ويعد بأن يعود للنبض إن عاد يوماً إلى ترابه.