القاهرة | كثيرة هي الملفات التي تنتظر الرئيس المصري المقبل، ولن يكون الأمن وحده البارز من الملفات التي تنتظر حلولاً لعودة الأمان إلى المحروسة. ثمة ملف أهم وأخطر وهو الملف الاقتصادي الذي ينذر بكارثة كبيرة ما لم تجد له السلطات المقبلة حلولاً تمكن البلاد من الاستمرار.


الرئيس «المقبل» عبدالفتاح السيسي يدرك خطورة هذا الملف كما يدرك أن اطلاق الوعود من شأنه أن يضع حكمه أمام امتحانات ايفاء الوعود. لذا استدرك المشير مسبقاً هذا الأمر عندما وصف، ظروف مصر الاقتصادية بـ «الصعبة جداً»، مشيراً إلى أن المشاكل «لا تحل بين يوم وليلة»، بل تحتاج إلى جيل أو اثنين كي تستقيم.
التصريحات عاد وأرفقها بإعلانه أن مصر تحتاج مبالغ مالية تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة تريليونات جنيه مصري (431 إلى 575 مليار دولار) لحل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية القائمة.
أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، الدكتور صلاح الدين إبراهيم، رأى أن أجندة الحقبة الرئاسية المقبلة حافلة بالاستحقاقات الحساسة نظراً لتردي الوضع الاقتصادي خلال السنوات الثلاث الماضية. إبراهيم أشار في حديثه لـ «الأخبار» تحديداً إلى عبء الدين العام الذي تضخّم خلال الفترة الأخيرة؛ والذي ستصبح في نهاية العام الجاري نسبته أكثر من 90% من الناتج المحلي الإجمالي.
فبحسب توقعات صندوق النقد الدولي، ستبلغ ديون مصر 1.81 تريليون جنيه بنهاية عام 2014 – أي ما يوازي 260 مليار دولار تقريباً. وسيرتفع فوق تريليوني جنيه في العام اللاحق، أي ما يفوق 300 مليار دولار.
الخطير في النمط هو أن حصة الديون الخارجية من إجمالية المديونية هو إلى تصاعد. «في حال لم يتم تدارك الموقف سريعاً عبر البرنامج الانتخابي الاقتصادي، فنحن نقف صاميتن أمام هزة اقتصادية مميته» يتابع الأستاذ الجامعي.
تؤكّد الباحثة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة نفسها، الدكتورة سلوى جميل، هذه المعطيات. تقول إنّ تخصيص ميزانية لسداد الديون يجب أن تكون أولوية على جدول أعمال الرئيس المنتظر. وخصوصاً أنّ عجز الموازنة يتزايد.
صحيح أنّ تضخم المديونية خطير إلا أنّ التحدّي الأخطر يتمثّل في معدلات التشغيل المنخفضة برأي أستاذة السلوك الاجتماعي في جامعة عين شمس، الدكتورة هبه الوصال. تلفت إلى ارتفاع معدّل البطالة من 12.5% إلى 13.2%. وتُشدّد على أنّ كبح هذا الارتفاع «هو الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة».
صحيح أن الاقتصاد سينمو بنسبة 2.2% هذا العام ليفوق حجمه 286 مليار دولار، على أن تتضاعف النسبة العام المقبل، ويتخطى حجم الاقتصاد المصري 328 مليار دولار. ولكن تبقى التساؤلات عن كيفية توزع النمو وطبيعته.
تقول الدكتورة الوصال لـ «الأخبار»: «إذا تخاذلت الحكومة عن دورها فى توظيف الشباب وإعادة تدوير المصانع وهيكلة سلة الأسعار لتتناسب والأجور المتدنية محلياً، فسنشهد ثورة اجتماعية أكثر شراسة من الثورتين السابقتين».
تعود إلى الأذهان هنا مطالب «الثورة الاولى» التي اشتعلت في كانون الثاني عام 2011. حينها نادى الثوار بالعدالة الاجتماعية والعيش والحرية أي «إعادة صياغة عقد اجتماعي بين المواطنين والحكومة وهو مالم تلتزم به الأخيرة حتى الآن» تتابع الخبيرة الاجتماعية.
وتفيد آخر بيانات جهاز الإحصاء المركزي أن معدل الفقر ارتفع إلى 25% في ظلّ زيادة مقلقة لمستويات الأسعار وغياب الإصلاحات التشريعية وركود الأسواق.
«على الرئيس المقبل، سواء كان بخلفية عسكرية أو مدنية، الاستجابة سريعاً لحاجات المواطنين ومطالبهم» يُشدّد أستاذ الاقتصاد في جامعة «بنها»، الدكتور صلاح النجار. برأيه فإنّ ذلك يجري عبر تدشين مشاريع تستوعب الأعداد المتزايدة من العاطلين عن العمل وعبر استعادة الثقة لاستثمارات القطاع الخاص والمصالحة الفورية في قضايا المستثمرين التي بلغت حوالى ستة آلاف قضية وإشراك هؤلاء مع اتحادات العمال في صنع القرار الاستثماري.
لدى الغوص أكثر في المؤشرات الاجتماعية تظهر تحديات أخرى أمام الحكم المقبل. بحسب الباحث محمد مندور فإنّ الحكومة قد تتعرّض لعقوبات في حال لم تحترم اتفاقيات حق السكن التي وضعتها اليونسكو، لدى تنفيذها مشاريع تطوير السكن في المناطق العشوائية.
فمخطط الحكومة يتجاهل 404 مناطق غير آمنة تحوي 210 ألف وحدة سكنية ويقطنها حوالى 853 ألف نسمة وتحتاج لقرابة 8.5 مليار جنيه لمداركة خطورتها الاقتصادية.
وبالانتقال إلى المؤشرات العامّة التي تهمّ القطاع الخاص، تحديداً بيئة الأعمال، يقول أستاذ المحاسبة الدولية في الجامعة الأميركية في القاهرة، محمد نور الدين، إنّ العقبة التي تهدد مصر مستقبلاً هي انتشار الفساد على نحو واسع. هذه الآفة تؤثر سلباً على عمليات تخصيص الموارد وكيفية توزيعها بين الأطراف المختلفة في الدولة.

إذا تخاذلت الحكومة عن دورها في توظيف الشباب سنشهد ثورة أكثر شراسة من السابقتين

ويؤدي الفساد المتفاقم، الذي تظهره بيانات منظمة الشفافية الدولية، إلى ابتعاد المستثمرين وإحجامهم عن الاستثمار في مصر. وهو معطى خطير في بلد يحتاج إلى الرساميل لتطوير بنيته التحتية وقطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم.
ولكن الورشة الإصلاحية الاقتصادية التي تنتظر الرئيس المقبل يجب أن تكون أكثر طموحاً، بحسب أستاذة دراسات الجدوى في جامعة «بنها»، الدكتور منال سلامة. إذ تقول: «يجب التوقف عن إبعاد المستثمرين الصغار عن حلبة تحقيق العوائد الاستثمارية». وتُشير إلى أهمية شرح مطالب الشارع المصري للمجتمع الدولي وتطبيق حزمة قوانين صارمة تتضمن جوانب أمنية لاستعادة ثقة السياح واسترداد عافية هذا القطاع.
ويجمع الخبراء على أنه يجب التركيز على ضرورة تحسين برامج الدعم الاجتماعي لكي تستهدف الفئات الهشة تحديداً، وذلك بالتزامن مع معالجة حاجات التمويل والالتزامات الخارجية فعلى الرغم من أنّ مساعدات بعض بلدان الخليج العربي لمصر ساهمت في التقاط الانفاس نسبياً، إلا أنّ استحقاق الديون المترتبة لصالح السعودية والإمارات، سيبقى طوقاً حول عنق الرئيس المقبل.
وإلى رأي الخبراء، هناك رؤية الحكومة الحالية يُعبر عنها وزير المال هاني قدري الذي أوضح فى حديث لـ «الأخبار»: أنّ التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري كثيرة منها: ارتفاع معدل التضخم الذي تخطى مؤخرا نسبة 10%؛ وأن الهيكلة الاقتصادية للإستثمارات لابد أن تتم بالتوافق مع الظروف السياسية الحالية.
غير أنّه يؤكّد «أننا نعمل في المرحلة الراهنة على جذب مستثمرين إلى السوق المصرية إلى جانب تطوير عقلية ومنهج إدارة الأزمة، بحيث يتم تحقيق جهد فاعل لتحقيق النمو الاقتصادي والحماية والعدالة الاجتماعية». وأنّ التعثّر في بعض الأحيان يعود إلى أسباب تنظيمية.
«المؤشرات الاقتصادية بدأت تتعافى ولن نقبل بضغوط خارجية ولا نسعى إلى الاقتراض من صندوق النقد لأن البرامج الحكومية كفيل بالنهوض بالاقتصاد». يقول الوزير في إشارة إلى برنامج الإقراض البالغ 4.8 مليارات دولار الذي دار حوله جدل كبير في كنف حكم الرئيس المخلوع محمد مرسي.
أما في خصوص استمرار دعم الدولة للطاقة، يقول: «لا يمكن أن يستمر دعم الطاقة كما هو عليه لأصحاب الدخول القليلة». يشرح: «لكي نحقق العدالة الاجتماعية علينا أن نتعامل مع 300 مليار جنيه تذهب لدعم الطاقة»، مشيراً إلى أنّ مجموع ما صرف خلال العقد الماضي على المنح والمزايا وبرامج الدعم بلغ تريليون جنيه.