منذ أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، شكّلت الإعانات أحد أوجه علاقة الحكم بالمجتمع. من أبرز قنوات الدعم التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة هي أسعار الطاقة. غير أن القناة لم تعد تحتمل، وتتهيأ البلاد لاختناق كهربائي خلال أشهر. السبب: قلّة الإنتاج بسبب نقص الفيول الملائم.


ولكن معضلة الطاقة المصرية أبعد من الدعم المرهِق عبر موازنات من دون أفق. هي تتعلّق بالسياسة العامّة التي يُفترض أن تنتهجها الإدارة في إطار خريطة علاقات إقليمية تضمن أمنها على مستوى إمدادات الغاز، وفي إطار علاقات دولية تكفل لها تواصلاً مجدياً مع الشركات التي تُنقّب عن الموارد الطبيعية على أراضيها.
لعلّ أبرز مؤشر على حدّة أزمة الطاقة في مصر، هو قرار الحكومة حظر استيراد مكيفات الهواء التي تُخفض الحرارة دون 20 درجة مئوية. الهدف هو كبح استهلاك الكهرباء إلى حين التوصل إلى علاج لنقص الإنتاج مع بدء العام المالي الجديد، الذي يتزامن مع انطلاقة الصيف.
الأزمة ناجمة تحديداً عن نقص إنتاج الغاز الذي تعتمد عليه المعامل المصرية لتوليد الكهرباء. فالاستثمارات الأجنبية الضرورية لتعزيز ضخ هذا المورد الحيوي، تُحجم عن المبادرة، وحتّى المساعدات العربية التي تتدفق على أم الدنيا منذ إطاحة حكم الإخوان المسلمين تبدو من دون فائدة.
فقد تعهدت ثلاثة بلدان خليجية بتأمين فيول بقيمة 4 مليارات دولار للسلطات المصرية من أجل تسيير قطاع الطاقة في البلاد واحتواء أزمة قد تُعرّض حكم العسكر لأزمة ثقة بعدما عاشت إدارة الإخوان أزمة مشابهة انتهت بسجن الرئيس محمد مرسي.
غير أنّ هذه الالتزامات العربية، وهي تأتي في إطار خطّة دعم لمرحلة المشير عبد الفتاح السيسي تبلغ قيمتها 12 مليار دولار حرّرتها السعودية، الإمارات والكويت، هي من دون فائدة تقريباً!
السبب بسيط جداً: نوعية الفيول الذي سيتدفّق من الخليج لا يتواءم مع نوعية المحركات في معامل إنتاج الكهرباء المصرية؛ تلك الماكينات تعمل أساساً على الغاز، وفي حال استخدام مشتقات نفطية أخرى، ستقع في فخ فعالية الإنتاج في أحسن الأحوال.
كانت الآمال معلّقة على شحنة من الغاز الطبيعي المسال عبر شركة نرويجية. إلا أنّ الأخيرة رفضت مسوّدة الاتفاق الذي قدمته الحكومة؛ اليوم لا أمل في تأمين الغاز إلا مع حلول نهاية العام الجاري.
مصر إذاً في ورطة عند مشارف الصيف حين يرتفع الطلب بنسبة 25% بالحدّ الأدنى. اليوم تُقدّر وزارة الطاقة أن يبلغ العجز في تأمين الطاقة الكهربائية سبعة آلاف ميغاواط خلال الفصل الحار؛ لإعطاء فكرة عن هذا الرقم، هو يعادل ثلاثة أضعاف حاجة لبنان الإجمالية.
للمرّة الأولى على الإطلاق سيفوق الطلب على الغاز الطبيعي العرض المتوفر؛ الفارق سيكون 170 مليون قدم مكعب يومياً. وتراوح تقديرات الاعتماد على الغاز لتوليد الكهرباء بين 75% و90%.
لم يعد ممكناً الاستعانة بالدعم القطري، إذ بعد إطاحة محمد مرسي تخلّت الإمارة عن أكثر البلدان العربية اكتظاظاً بالسكان. فهي تدعم تيار الإخوان، وخلال حكمهم مدّت البلاد بحوالى 16.5 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي لضمان استقرارها.
هكذا يترقّب 85 مليون مواطن متعطش للطاقة كيف ستعالج السلطة المقبلة ملف الكهرباء. وقد يكون غضبهم كبيراً جداً في حال فشلها.
الصورة حالياً ليست جميلة. من جهة، الآبار السخية أضحت تسجل تراجعاً نظمياً في الإنتاج. ومن جهة أخرى الشركات ممتعضة كثيراً؛ مصر تدين لها بقرابة خمسة مليارات دولار. اليوم تُليّن القاهرة شروط التفاوض. أخيراً قال وزير النفط شريف اسماعيل، إنّ الحكومة سدّدت مستحقّات بقيمة 1.5 مليار دولار، وإنّ المبلغ الباقي _ أي 3.5 مليارات دولار _ سيُدفع مع حلول عام 2016.
نظرياً، هناك حلّان لمعاجة أزمة الطاقة المرتقبة في مصر خلال فصل الحرّ الذي نادراً ما تشهد فيه مكيّفات الهواء راحة. الأوّل هو أن تستفيق البلاد على واقع اجتماعي جديد لخفض مستوى هدر الطاقة من المؤسسات الحكومية، وصولاً إلى المستهلك العادي. الثاني، هو أن تؤمّن الحكومة الاحتياجات اللازمة من الغاز الطبيعي لتشغيل المعامل وتأمين الطلب الإضافي. الخياران أقرب إلى الخيال من التحقق. إذ إن التقديرات المتداولة تفيد بأنّ أقرب موعد لتلقي شحنة من الغاز الطبيعي المسال تكون آخر العام الجاري (إلا إذا قرّرت إسرائيل مثلاً مسايرة الجار اللدود، ومدّه بالقليل من إنتاجها. حينها ستكون سخرية القدر في أوجها). هذا يعني أن لا مجال لتجنب مأساة الصيف.
ولكن في العمق، من يلعب في قطاع الطاقة المصري بحسب الكثير من الإحداثيات. فالسلطة _ التي تأمل البقاء في مكانها عبر انتخابات مرتقبة _ متخوّفة من أن ينفجر الملف في وجهها، وبالتالي عليها مسايرة الدول النافذة في مجال الطاقة. كذلك عليها تليين علاقتها مع الشركات النفطية لحثّها على الاستثمار في حقول الغاز لتأمين الموارد الأولية اللازمة وخفض الارتهان للخارج كما هي البلاد مرهونة حالياً في مجال المواد الغذائية، حيث تُعدّ المستورد الأوّل للقمح بسبب عدم فعالية إدارة القطاع الزراعي.
اليوم، تتحدث مؤسسات التصنيف عن استقرار نسبي في مصر نتيجة ارتفاع مستوى السيولة من العملات الأجنبية، إضافة إلى هدوء المشهد السياسي. مُعظم عوامل الاستقرار تعود إلى الدعم الخليجي الذي أبقى البلاد صامدة خلال الأشهر الثمانية الماضية، بعدما دخلت نفقاً حقيقياً تبخر فيه قرابة عشرين مليار دولار من العملات الصعبة، وتمّ فيه تأخير دفعات كثيرة لشركات البترول كما بدأت إعادة النظر في مستوى الدعم لأسعار الطاقة الذي تبلغ قيمته 15 مليار دولار سنوياً، أي خمس الموازنة العامّة.
غالباً ما يعود الخبراء الذين يعتمدون الحسابات الجافة إلى ذلك الدعم المستمرّ منذ أيام ثورة الضباط الأحرار وعهد جمال عبد الناصر للإشارة إلى أحد جذور أزمة الطاقة في البلاد.
ولعلّ صياغة الرؤية حول هذا الدعم بصفته جزءاً من السياسة الحكومية العامة، بالتزامن مع عودة الاحتجاجات المعيشية التي قد تمهّد لغليان جديد، هما العاملان الأساسيّان لتحديد سياسة البلاد الداخلية والخارجية عند إطلاق الحكم الجديد.

يمكنكم متابعة حسن شقراني عبر تويتر | @HassanChakrani




بين الاسمنت والصلب

يُشكّل قطاع الطاقة في مصر قالب جبنة دسماً، يتطلّع مختلف اللاعبين إلى حجز قطعتهم منه خلال المرحلة المقبلة. أخيراً، تحدّثت مؤسّسة التمويل الدولية _ وهي ذراع استثمارية تابعة لمجموعة البنك الدولي _ عن مشاورات تجريها مع الحكومة المصرية والقطاع الخاص لإطلاق مشاريع طاقوية خلال الأشهر المقبلة. وإن كان تصويب المؤسسة أساساً على القطاع الصناعي، إلا أنّ مفاصل الطاقة جميعها تتأثّر ببعضها البعض: فخفض إمداد صناعة الاسمنت بالكهرباء بنسبة 50% مثلاً يؤثّر تلقائياً على معدل التقنين في القاهرة خلال ساعات الذروة. إزاء مختلف الأطماع، يجب أن تنصبّ سياسة الحكم المرتقب على رصد الحلول لصالح مجتمع لم يعد يخشى الانتفاض. سياسة تُحدّد مثلاً ما إذا ستقرر الحكومة الاستمرار في دعمها السخي لصناعات الخديد والصلب التي تحقق أرباحا كبيرة محليا وتتمتع بتنافسية عالية في الخارج.