حين يجري الحديث عن «آلية» لتنفيذ اتفاق الرياض المعني بالمصالحة بين قطر وبين السعودية والإمارات والبحرين، نكون أمام معطيين: عدم الاتفاق بصورة نهائية وحاسمة على المسائل الخلافية، وأن ثمة مدى زمنياً طويلاً نسبياً لتنفيذ بنود الاتفاق. هذا خلاصة ما ورد في البيان الصادر عن «لقاء الرياض»، وإن العبارات المفتوحة على تفسيرات متعدّدة كفيلة بتغيير وجهة التفاؤل المفتعل.

ساعة ساخنة أمضاها وزراء خارجية السعودية والإمارات والبحرين إلى جانب قطر، قبل أن يلتحق بهم في الساعة التالية وزيرا خارجية الكويت وعمان. وبخلاف ما كان متوقعاً، كان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أقل تشدّداً مقارنةً بوزير الخارجية الإماراتي الشيخ محمد بن زايد الذي عاد إلى بلاده خالي الوفاض، لأن الشروط المطلوب من قطر تنفيذها قبل السماح بعودة السفراء إلى الدوحة لم تكن مطروحة على نفس الدرجة من الحدّة، وقد أغضب ذلك قيادة دولته التي شعرت بأن صدقيتها قد تضرّرت كثيراً.

كانت السعودية قد وضعت خمسة شروط لتحقيق المصالحة مع قطر، خلال لقاء جمع الملك عبد الله والشيخ تميم بحضور الشيخ صباح الأحمد في الرياض في نهاية تشرين الثاني 2013. وقد وجّه الملك اتهامات بنبرة غاضبة إلى ضيفه القطري بدعم جماعة الإخوان، ووقوفها ضد وزير الدفاع السابق والمرشح الرئاسي الحالي في مصر عبد الفتاح السيسي، وتحريض قناة (الجزيرة) على نظام الحكم المصري بعد 30 حزيران 2013.
قيل حينذاك، إن الأمير القطري الشيخ تميم، وعد بالتجاوب مع النقاط الخمس الواردة في مذكرة الاتفاق، ووقّع أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، كشاهد.
بدت المطالب السعودية تعجيزية وتمسّ بالسيادة القطرية، ما دفع أمير قطر السابق الشيخ حمد إلى التدخل لوقف العمل بالبنود، لأن ذلك يتطلب تغييرات بنيوية في الدولة القطرية. فقررت السعودية والإمارات والبحرين سحب سفراءها من الدوحة في سياق سلسلة خطوات تصعيدية، من بينها إغلاق الحدود البرية والجوية وإلغاء عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية.
بقيت الأزمة تتفاعل خلف الكواليس، وتوقفت الوساطات من كل الأطراف، الكويتية والأميركية، ببساطة لأن الرياض كانت متمسّكة بخيار التصعيد حتى النهاية، فيما أصرّت قطر على حقها في التصرف باعتبارها دولة ذات سيادة، ولديها سياسة خارجية مستقلة تنسجم مع مصالحها الوطنية.
لقاءات في السر جرت بين مسؤولين خليجيين وأميركيين وأوروبيين لجهة احتواء تداعيات الأزمة، وتقرر وضع صيغة أولية لتفاهم خليجي يأخذ نصيبه في الإعلام أكثر منه في الواقع السياسي، فكان لقاء الرياض والبيان المشترك الصادر عنه بعباراته الغامضة وبنوده المفتوحة.

توقيع
وثيقة الرياض كان
بمثابة وقف إطلاق نار
فحسب
لعل تغريدات وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية أنور قرقاش تومئ إلى أبرز مطلب إماراتي، حيث أوضح في حسابه الخاص على «تويتر» أنه «في ترميمنا لعلاقاتنا الخليجية المشتركة، يبرز مبدأ عدم التدخل ركناً أساسياً، ومنه عدم تعرض بعضنا لبعض إعلامياً بصورة مباشرة أو غير مباشرة». ولفت إلى ضرورة تحصين البيت الخليجي، وقال: «علاقاتنا تحتاج إلى إعادة بناء الثقة». يشير الوزير إلى انتقادات كان الشيخ يوسف القرضاوي قد وجّهها إلى الإمارات في وقت سابق لوقوفها إلى جانب الحكم في مصر بعد سقوط «الإخوان».
بيان الرياض لم يشر إلى أي التزام قطري حيال شروط الدول الخليجية الثلاث بخصوص وقف دعم جماعة الإخوان وإيواء شخصيات معارضة خليجية أو عربية، ووقف التجنيس لعوائل بحرينية، وعدم التدخل في شؤون مصر السيسي.
غابت الشروط السابقة وأُكِّدت مبادئ عامة من قبيل الحفاظ على وحدة الصف الخليجي، وعدم السماح لأطراف خارجية بالتدخل في شؤون دول مجلس التعاون الخليجي، وعدم تدخل أي دولة بشؤون دولة أخرى من دول المجلس أو القيام بما من شأنه الإضرار بمصالحها.
في حقيقة الأمر، إن توقيع وثيقة الرياض، كان بمثابة وقف إطلاق نار فحسب، وما قيل عن بداية انفراج الأزمة هو الإشارة التي أراد المشاركون في لقاء الرياض التقاطها وتعميمها إعلامياً.
تصريح وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي لصحيفة «الحياة» في 18 نيسان حول نهاية الأزمة وأن الخلاف بين الدول الأربع أصبح «من الماضي» حمل إشارة ملتبسة، بخلاف ما يعتقد البعض، لأن تصريحاً كهذا يفترض صدوره عن أحد الوزراء الأربعة المعنيين بالخلاف، أو على الأقل عن الأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي. وأيضاً، إن النهاية المفترضة للخلاف، بحسب الوزير العلوي، يقتضي عقد مؤتمر صحافي مشترك يتلى فيه بيان البشارة بنهاية الأزمة. كل ذلك لم يحصل، بل لحظنا أن حرباً إعلامية ناعمة اندلعت في صحافة الدول الخليجية الأربع، على قاعدة أن كل طرف يسوّق لـ«انتصارات» حققها على الطرف الآخر. صحافة الدول الثلاث السعودية والإماراتية والبحرينية تواطأت على اعتبار ما جرى في الرياض بين وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بمثابة اختراق أدى الى إذعان الدوحة لشروط هذه الدول بعودة السفراء وتطبيع العلاقات. والحال، لم يعد السفراء حتى اليوم، ولم يجر الحديث حتى الآن عن مواقيت لعودتهم.
في المقابل، كانت الصحافة القطرية تبتهج لأن المطالب السعودية التي طرحت في بداية الأزمة بإغلاق قناة «الجزيرة»، ووقف كل أشكال الدعم لجماعة الإخوان المسلمين، وإغلاق مراكز بحثية أميركية، لم تتحقق، ولم يأت البيان المشترك الصادر بعد لقاء الرياض على ذكرها البتة.
أكثر من ذلك، إن لقاء الرياض نفسه فقد طابعه الاستثنائي ووضع في سياق اللقاء التشاوري نصف السنوي الذي يعقده وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بحسب مقررات قمة أبو ظبي العادية في ديسمبر 1998، لمناقشة آخر المستجدات في الخليج والمنطقة والعالم.
ما أعقب لقاء الرياض من بيانات وتصريحات ومواقف من مسؤولين خليجيين من مستويات متعدّدة لم يقنع المراقبين بقرب زوال الأزمة، فضلاً عن نهايتها التامة. صحيفة «وول ستريت جورنال» ذكرت في 21 نيسان أن «وثيقة الرياض» هي مجرد «حبر على ورق»، وقالت: «إن محاولات وضع حد للصدع بين دول الخليج جديّة، ولكن الشروط وبنود المصالحة لا تزال غامضة»، وخصوصاً لناحية تحقيقها أو تنفيذ بعض منها.
نعم، قيل عن التزام قطر طرد نحو 15 عضواً من الإخوان المسلمين من مواطني مجلس التعاون الخليجي، 5 منهم إماراتيون، وبينهم سعوديان والبقية من البحرين واليمن، وهؤلاء يقيمون في قطر. ومع أن السعودية طالبت قطر بإبلاغهم بضرورة مغادرة الاراضي القطرية، إلا أنه لم يصدر حتى الآن ما يفيد بقيام قطر بخطوة من هذا القبيل. وكذلك الحال بالنسبة إلى تخفيف هجوم الإعلام الفضائي القطري على مصر، حيث لا تزال البرمجة على حالها دون تغيير، التي تعكس سياسة قطر إزاء الحكم العسكري في مصر. مطلب الدول الثلاث بطرد الشيخ يوسف القرضاوي من الدوحة رفضته الأخيرة على لسانه حين قال إنه قطري وسيُدفن في قطر.
قد تزهد السعودية في المطالب الأخرى، باستثناء التحريض على النظام المصري الحالي عبر توجيه انتقادات لانتخابات الرئاسة المقبلة، أو استضافة معارضين مصريين من الإخوان وغيرهم في الإعلام القطري وخصوصاً قناة (الجزيرة) لانتقاد الأوضاع السياسية في مصر.
ما يلفت في كل ما ورد حول مطالب الثالوث الخليجي من قطر أن ثمة تراجعاً واضحاً في النبرة السعودية، بالقياس إلى الأيام الأولى للأزمة، ويرجع ذلك إلى حاجة دول الخليج إلى تحقيق أكبر قدر من الانسجام لمواجهة الاستحقاقات الكبرى المقبلة في مصر وسوريا والعراق ولبنان.
خلاصة الأمر، أن الاحتفالية التي رافقت لقاء الرياض وبعده كانت بمثابة إطلاق غمامة إعلامية لتحقيق هدف تكتيكي يتعلق بتطوّرات مستعجلة في المنطقة، ويفرض انسجاماً خليجياً في الموقف السياسي، وأن خسارة قطر في هذه المرحلة سيكون مكلفاً للسعودية ولدول مجلس التعاون مجتمعة على المدى البعيد.



القرضاوي: أحب السعودية والإمارات


«أحب أن أقول إنني أحب كل بلاد الخليج وكلها تحبني، السعودية والكويت والإمارات وعُمان والبحرين، وأعتبر أن هذه البلاد كلها بلد واحد ودار واحدة». عبارة صدرت الأحد عن الشيخ يوسف القرضاوي في رسالة تصالحية إلى السعودية والإمارات التي سبق أن شنّ حملة عليها تزامنت مع الخلاف القطري وهذه الدول. وقال القرضاوي، في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني: «موقفي الشخصي لا يعبّر عن موقف الحكومة القطرية... حيث إني لا أتولى منصباً رسمياً، وإنما يعبر عن رأيي الشخصي».وأشار إلى أنه فاز بجوائز في السعودية والإمارات، وأنه يقدر هذه الجوائز كثيراً. وقال إن آراءه التي عبّر عنها في تصريحاته كانت «من باب النصيحة المخلصة التي سيتبيّن صدقها بعد حين». ونفى تصريحات إعلامية أفادت بأنه سيترك قطر قريباً، وقال: «أنا جزء من قطر، وقطر جزء مني».