قبل «ثورة 25 يناير» كان عدد الأحزاب السياسية أقل من 30 حزباً أبرزها «الحزب الوطني» الذي ترأسه الرئيس الأسبق حسني مبارك وتولّى تاليف الحكومة والسيطرة على مفاصل الدولة، وهي السيطرة التي لم تستطع أي من الأحزاب السياسية تكرارها حتى الآن بما فيها حزب «الحرية والعدالة» الذي أسسته جماعة «الإخوان المسلمين» بعد الثورة.
أكثر من 70 حزباً تأسست بعد «25 يناير» منها اثنان فقط صدر قرار بحلّهما، فيما اعتمدت الدولة أسلوبا مختلفا في تأسيس الأحزاب الذي أصبح بالإخطار. أما المفارقة فتكمن في أن الحزبين اللذين تمكنا من السيطرة على السلطة وتشكيل الأغلبية البرلمانية، وهما "الحزب الوطني» قبل «25 يناير» وحزب «الحرية والعدالة» حتى قبل ثورة «30 يونيو»، صدرت أحكام قضائية بحلّهما وإعادة مقراتهما للحكومة لتكون تحت وصايتها وتخصصها لأعمال أخرى.
وقبل «ثورة يناير» تشكلت لجنة شؤون الأحزاب من رئيس مجلس الشورى وعضوية وزير الداخلية ووزير شؤون مجلس الشعب، بالإضافة إلى ثلاثة من الرؤساء السابقين للهيئات القضائية أو نوابهم وثلاثة من الشخصيات العامة، فيما تمتعت اللجنة بصلاحيات واسعة تمكنها من تجميد نشاط الأحزاب، بينما رفضت على مدار أكثر من ثلاثة عقود 70 طلباً لتأسيس الأحزاب وخصوصاً الأحزاب التي تحمل فكراً ليبرالياً.

فقدان الحضور القوي في المحافظات وغياب الانشطة الميدانية

لا يمكن اعتبار الحياة الحزبية قد حققت نجاحاً في مصر. فرغم سهولة الإجراءات الخاصة بتأسيس الأحزاب بعد الثورة، لم ينجح أي من الأحزاب التي تأسست في الوصول إلى الجماهير. فغالبية الاحزاب تفتقد الوجود القوي في المحافظات بخاصةٍ الحدودية منها، بالإضافة إلى افتقادها إقامة أي فعاليات أو أنشطة ميدانية وهو ما عكس الغياب القوي لها في الانتخابات الرئاسية 2014، حيث اكتفت الاحزاب بدعم الرئيس عبد الفتاح السيسي.
خلت التجربة الحزبية من أحزاب عدة، برزت بعد الثورة، أبرزها «حزب العدل» الذي حظي بدعم من مؤسس «الجمعية الوطنية للتغيير» قبل الثورة، الدكتور محمد البرادعي، فيما فشل البرلماني السابق، عمرو حمزاوي، في تأسيس حزب «الحرية» بعد عجزه عن جمع التواقيع اللازمة.
وادى المال السياسي دوراً كبيراً في نشاط الأحزاب وفي حضورها الميداني، فجاء حزب «المصريين الأحرار» الذي أسسه وموّله رجل الأعمال نجيب ساويرس، في قائمة الأحزاب الأكثر نشاطاً وحضوراً بفضل الميزانية الكبيرة والدعم الإعلامي الذي يحظي به الحزب. وهو موقف حزب «الوفد» الذي بالرغم من تأسيسه قبل «25 يناير»، حاول قادته المشاركة في المشهد السياسي بقوة عبر دعم رئيس الحزب، السيد البدوي، الذي دخل في تحالفات عدة مع الدولة، حاول خلالها الحفاظ على مكانته لكنه لم يتمكن من حجز موقعه على الخريطة السياسية بسبب تذبذب موقفه السياسي.
في المقابل، دخل رجل الأعمال المدعوم من الدولة أحمد أبو هشيمة الحياة الحزبية عبر الحزب الذي أسسه رئيس اتحاد طلاب مصر السابق، محمد بدران، ودعمته الاستخبارات خلال الفترة الأخيرة حتى تمكن من حصد ثاني أكبر الحصص البرلمانية بـ65 مقعداً، فيما يضم الحزب عدداً كبيراً من قيادات «الحزب الوطني» المنحل وغالبية نوابه انضموا إلى الحزب قبل أسابيع قليلة من الانتخابات البرلمانية بعد موافقة الأجهزة الأمنية ودعمها.
السخاء المالي لم يكن كافياً في المقابل لإنجاح أحزاب أخرى مثل حزب «الحركة الوطنية» الذي أسسه الفريق أحمد شفيق الذي واجه انشقاقات داخلية أدت إلى تفككه قبل أسابيع من الانتخابات، فيما واجه حزب «النور» ذو المرجعية السلفية، حملةً إعلامية أثرت على فرصه في البرلمان فلم يحصل سوى على 12 مقعداً فقط.
اللافت للانتباه أنه بالرغم من تعدد الأحزاب الليبرالية مثل «الدستور» و»المصري الديموقراطي» إلا أن هذه الأحزاب لم تنجح في الحضور في الشارع أو إقناع الجماهير بأهدافها ومبادئها، وهو ما انعكس على نسبة تمثيلها الضعيفة في البرلمان فضلاً عن الانتقاد الشعبي لبعض مواقفها السياسية.
ورغم أن الدستور قد نصّ على التعددية الحزبية وأحقية الأغلبية النيابية في تشكيل الحكومة وإقالة الرئيس، إلا أن الأحزاب الموجودة على الساحة لا تمتلك هذا الحق ليس فقط لفقدانها الأغلبية، لكن لكون مجلس النواب لا يضم الا 19 حزبا فقط من أصل الـ103 احزاب، وهو ما يبرر لجوء المؤيدين للرئيس لتشكيل ائتلاف «دعم مصر» لتمرير القوانين وتبني مواقف الرئيس والحكومة.