بعد أيامٍ على عرض رئيس المعارضة الإسرائيلية، رئيس «المعسكر الصهيوني»، يتسحاق هرتسوغ، خطةً سياسية جديدة تتبنى منطلقات معسكر اليمين في النظر إلى إمكانية التسوية على المسار الفلسطيني، عاد وكرر موقفه خلال لقائه مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، ووزير الخارجية لوران فابيوس.

وأكّد هرتسوغ ضرورة أن نكون «واقعيين»، ليخلص إلى أنه «لا يمكن تطبيق حل الدولتين حالياً». وبرر هرتسوغ موقفه بأن «الكراهية والتحريض لدى الفلسطينيين كبيرة جداً».
وعن الخيار البديل للتسوية القائمة على الدولتين، قدّم هرتسوغ تصوره، كما عرضه في خطته خلال مؤتمر معهد «أبحاث الأمن القومي»، حول ضرورة الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وكان رئيس «المعسكر الصهيوني» قد دعا خلال عرض خطته السياسية إلى فصل القرى الفلسطينية في القدس الشرقية عن سائر المدينة، واستكمال بناء جدار الفصل في الضفة الغربية، بحيث يضم جميع الكتل الاستيطانية الكبرى إلى إسرائيل، انطلاقاً من أنه لا مجال لتطبيق حل الدولتين في المرحلة الحالية. ورأى في هذا السياق أن التعايش ممكن الآن مع الفلسطينيين «نحن هنا وأنتم هناك».

هرتسوغ: لا
يمكن تطبيق حل الدولتين حالياً

ورغم أن تأثير هرتسوغ، كرئيس لـ«المعسكر الصهيوني»، على الخيارات السياسية للحكومة الإسرائيلية معدوم، ولو تبنى أي موقف آخر لا يتوقع أن تكون له آثار فعلية في المشهد السياسي العام، إلا أنه أثبت بالمواقف التي قدمها صحة مقولة اليمين حول أنه «لا يوجد من نتحدث معه» في الجانب الفلسطيني. وهو الشعار الذي يرفعه ويروجه نتنياهو كي يبرر حالة المراوحة على المسار الفلسطيني. ويمنحه المشروعية لفرض المزيد من الوقائع الاستيطانية.
في هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، خلال جلسة حكومته، أن على الحكومة دعم الاستيطان في الضفة الغربية، في ظل ما سماه «موجة الإرهاب الفلسطيني التي تتعرض لها إسرائيل». ولفت الى أنه في هذه الأثناء «يتم فحص قانونية استيلاء المستوطنين على البنايتين السكنيتين في الخليل، وفي حال كانت الإجراءات قانونية سيتم منح المستوطنين الإذن بالاستيطان هناك».
وخالف هرتسوغ بمواقفه المتسلسلة، وصولاً إلى نعي «خيار الدولتين»، الدور التقليدي للمعارضة الإسرائيلية في تقديم بديل سياسي من الخيار الذي تتبناه الحكومة. وألغت مواقفه إمكانية تبلور زعيم سياسي بديل من نتنياهو، الذي لم يكن متوقعاً في هذه المرحلة.
في ضوء ذلك، بات بالإمكان القول إنه بعدما نجح نتنياهو في إقصاء كل من كان يمكن أن ينافسه داخل «الليكود»، وبات الزعيم الذي لا ينازع، فهو الآن أكثر اطمئناناً إلى عدم وجود بديل له على الساحة السياسية، وخاصةً أن البديل التقليدي الوحيد التاريخي لحزب «الليكود» هو حزب «العمل»، مع التأكيد على أن هذا الخيار سقط من دائرة الاحتمالات الفعلية منذ سقوط إيهود باراك عام 2001.
كما أنه لا حاجة إلى الاستدلال على أن خلفية طرح بعض القادة الإسرائيليين مشاريع سياسية تقوم على أساس بناء دولة فلسطينية ما، ليس انطلاقاً من إقرارهم بالحقوق الفلسطينية، ولو بصيغة الحد الأدنى، ولا تضامناً إنسانياً، وإنما فقط كون هذا الخيار يجسد المصلحة الإسرائيلية بامتياز، وهو مفهوم يعتقده كل القادة الصهاينة الذين يتبنون هذه الرؤية.
ومع ذلك، ينبغي الإيضاح بأن تبني هرتسوغ صيغة الانفصال عن الفلسطينيين واستبعاد خيار الدولتين، ينطوي أيضاً على رسالة للإسرائيليين بأن الحل السياسي مع الفلسطينيين لن ينضج إلا في حال انعدام الخيارات البديلة أمام إسرائيل، وبعبارة أخرى ليس سوى تعبير عن مرحلة «اللاخيار»، وأن حاجة إسرائيل إليه هي فقط من أجل إنقاذ ذاتها كدولة يهودية. وهو عين ما يسوقه معسكر اليمين عامة ونتنياهو خاصة.
وعلى خط مواز، فإن المفارقة في تبنّي هرتسوغ منطلقات وصيغ معسكر اليمين لن تمكنه من كسب الشارع الإسرائيلي عامة واليميني خاصة. لأنه ما دام قد أقرّ بصحة هذه الرؤية، فإن الناخب الإسرائيلي سيجد نفسه مدفوعاً لاختيار «النسخة الأصيلة» للزعامة التي تتبنى هذه الرؤية ابتداءً، بدلاً من «النسخة التايوانية»، التي تحاول ركب موجة الشارع اليميني. وفي هذه الحالة، تحوَّل هرتسوغ الى أفضل مروج لسياسة نتنياهو، وإلى أكثر من جندي في معسكره، رغم أنه حاول القول إن إسرائيل «تحتاج الى الانفصال عن نتنياهو حتى تستطيع الانفصال عن الفلسطينيين».
إلى ذلك، ينبغي التذكير بحقيقة أن التركيبة الديموغرافية للمجتمع الإسرائيلي، والجنوح نحن اليمين في الشارع الإسرائيلي حتى بات الصراع على الزعامة الإسرائيلية يجري داخل معسكر اليمين نفسه، وحالة التشرذم السياسي بين ما يسمى قوى الوسط واليسار، كل هذه عوامل، تضاف الى عوامل أساسية أخرى، تحول دون عودة حزب العمل بعنوانه الجديد «المعسكر الصهيوني» إلى الحكم، فضلاً عن أنه سوف يكون بحاجة الى شركاء، حتى لو حقق افتراضاً أكبر عدد من الأعضاء بين الكتل في الكنيست.
وبعد هذه المواقف التي أطلقها هرتسوغ، لا يبعد أن يجد نتنياهو فيها أرضية سياسية للعمل الجدي على ضم المعسكر الصهيوني الى الحكومة، ولو عن طريق تقسيمه كما هو معهود عنه في مثل هذه الحالات. أيضاً، بات هرتسوغ يملك نظرياً المسوغ السياسي الذي يسمح له بالتنظير والترويج لمثل هذا الخيار، مع التأكيد أن هرتسوغ ينفي مثل هذا الاحتمال.
وكتعبير عن التنافس في الاستطلاعات، حول الأكفأ على إدارة شؤون إسرائيل على المستوى الأمني، ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن نحو ثلث الإسرائيليين يعتقدون بأن أفيغدور ليبرمان هو الشخص الأفضل لمعالجة المشاكل الأمنية والعمليات التي ينفذها الفلسطينيون، فيما نال رئيس البيت اليهودي اليميني المتطرف 13%، أما رئيس الوزراء نتنياهو فقد نال فقط 11%، فيما اقتصرت نسبة المؤيدين لهرتسوغ على 5%. وعن مواقف الجمهور من الأداء في المجال الأمني، أعرب 28% عن رضاهم على أداء نتنياهو، فيما لا يشعر بذلك 64%.