القاهرة | تبحث الدولة المصرية عن تيار ديني تستعين به لملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب غالبية التيارات الإسلامية من المشهد السياسي المصري في المرحلة الأخيرة، إضافة إلى رغبتها في إكمال المشهد وتمثيل جميع مكونات المجتمع في معادلة الحكم.


وتمثل الطرق الصوفية بعدد أتباعها الكبير الذي يدور في فلك 5 ملايين مصري خيارا جيدا للدولة في مواجهة الاحتقان الشعبي العام، علما بأن التيارات الإسلامية كانت تمتص هذا الاحتقان عبر خدمات تقدمها جمعيات خيرية تابعة لها بأسعار متدنية، مثل المستشفيات والمعارض الخيرية للملابس والدروس الخصوصية.

بين الصوفية والسلفية

تبدو الطرق الصوفية المصرية اليوم مهيأة لدور جديد بدأت ملامحه تتبلور بعد الإصرار الواضح من جماعة الإخوان المسلمون والدائرين في فلكها على رفض المشاركة في العملية السياسية عقب عزل الرئيس محمد مرسي.
ويساعدها على أخذ هذا الدور أن السلفيين ليسوا قادرين على تصدر المشهد بعد الإخوان لأسباب عديدة، أهمها أن تيارهم منقسم على أكثر من مدرسة: في الجهة الأولى الجبهة السلفية والتيار السلفي الحركي (سلفية القاهرة) اللذان يتماهيان مع «التحالف الوطني لدعم الشرعية» التابع للإخوان، ويسيران وفق سياساته، أما الجانب الثاني، فتمثله الدعوة السلفية في الإسكندرية، وجناحها السياسي حزب النور، وهي تدعم خريطة الطريق المعلنة في «3 يوليو».
والجانبان يعانيان انشقاقات متوالية أصابت كيان الحزب والدعوة، وأبرزها انشقاق أول رئيس للحزب عماد عبد الغفور وتأسيسه حزب الوطن، وتلاه كل من سعيد عبد العظيم وأحمد السيسي، ثم محمود عباس ومحمد أبو العينين وهشام أبو النصر، وغالبيتهم تبنوا المواقف السياسية للتيار الإسلامي العام، الذي يرفض إجراءات خريطة الطريق.

الدولة تجنبت
التضييق على «الصوفية» في مساجدها وزواياها


السلفيون الداعمون للنظام على
خصومة شديدة مع الصوفيين

كذلك يعاني حزب النور والدعوة السلفية تراجعا حادا في شعبيتهما رغم نفي قادة الدعوة والحزب هذا التراجع، ويصلح للدلالة على هذه الحالة «النشيد» الأخير الذي أطلقه منشد الحزب أبو عمار بعنوان «يا خسارة حزب النور»، وفيه كلمات تتهم الحزب بالطعن والخيانة حتى حدّ التبرؤ من مواقفه السياسية.هذا كله يمهد الطريق للتيارات الصوفية نحو المشهد السياسي، وهي تيارات لها امتداداتها في المجتمع المصري، وحضورها الشعبي القوي، وخصوصا في محافظات الصعيد، كما أن رؤساء الطرق الصوفية ومشايخها لهم تأثير روحي كبير على أتباعهم، ولم يعرف عنهم إحداث خصومة أو اختلاف مع نظام الحكم في أي وقت سابق.
ويقول الباحث في مركز «سيتا التركي للدراسات السياسية والاستراتيجية»، مصطفى زهران في هذا السياق إن هناك تغييرا كبيرا على سياسة «الدولة المصرية» خلال هذه المرحلة بعد استدعاء الأزهر برجالاته ومشايخه التقليديين إلى جانب الطرق الصوفية في صدارة المشهد بقوة «خلافا لما كان عليه الأمر خلال المدة الماضية، ولا سيما في حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك».
وذكر زهران لـ «الأخبار» أن رجال دين كالمفتي السابق علي جمعة ورئيس جامعة الأزهر الأسبق أحمد هاشم سيكونون في المرحلة المقبلة قادرين على تكوين تيار صوفي له تمدد وقدرة على الاشتباك مع الواقع السياسي، وما يدعم تصوره أن هؤلاء قادمون من قلب المؤسسة الأزهرية «ما يعطيهم مجالا كبيرا لتنقية الصف الصوفي».
ويمكن رصد عدد من الشواهد الدالة على انخراط الصوفيين في العمل السياسي بعد «30 يونيو» ضمن حالة من الود المتبادل مع الدولة، كإعلان شيوخ الاتحاد العالمي للطرق الصوفية خلال «مولد السيدة فاطمة الزهراء» قبل أيام دعمهم الكامل للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في الانتخابات المقبلة. الأمر نفسه تكرر على لسان عدد من مشايخ الصوفية أبرزهم شيخ الطريقة العزمية محمد علاء الدين أبو العزائم الذي أعلن «حث جميع أهل التصوف في مصر على تأييد السيسي لأن المرحلة الحالية من عمر البلاد تحتاج قائدا يتحمل المسؤولية مثله».
كذلك نظم حزب الشعب الديموقراطي بالتعاون مع المشيخة العامة للطرق الصوفية مؤتمرا شعبيا لدعم السيسي أعلن خلاله رئيس حركة الإصلاح الصوفي الشيخ عبد الخالق الشبراوي أن «السيسي رجل عمل وإنجازات في المقام الأول، وأنه يمتلك رؤية استراتيجية وحلولا جذرية للمشكلات الكبرى التي تراكمت وعجزت الحكومات المتعاقبة عن حلها»، وذلك بعد انخراط معظم الطرق الصوفية في جمع توكيلات لتأييد السيسي.
وحول قبول حزب النور السلفي مزاحمة الطرق الصوفية له في المشهد السياسي رغم الخلافات العميقة بين الاتجاهين، ذكر زهران أن التيار السلفي الداعم للنظام المصري الحالي (دعوة الإسكندرية وحزب النور) معروف بخصومته الشديدة مع «الصوفية»، لكنه توقع بعض المرونة والتعاطي الإيجابي عند الدعوة السلفية يمكن أن تدفعها إلى قبول الصوفيين داخل أروقة العمل السياسي «حتى تلين القوى الإسلامية الأخرى ممن ترفض الاعتراف بخريطة الطريق، أو أن تدخل العمل السياسي ضمن مصالحة شاملة».
زهران يرى أن استدعاء الصوفيين إلى الساحة السياسية ليست له آثار واضحة يمكن الجزم بنتائجها، موضحا بالقول: «من السلبيات إعطاء غطاء رسمي من الدولة على توظيف تيار ديني مقرب منها ضد تيار ديني آخر مخالف لها، ما قد يحيي السجالات بين التيارات الإسلامية». واستدرك: «سيكون لهذا الاستدعاء حراك إيجابي على تنشيط وتقوية الطرق الصوفية وتأطيرها داخل الشكل السياسي العام لتكوين كتلة مكافئة لتيار الإسلام السياسي إذا لم يكن الهدف موازنة المشهد العام للعمل السياسي».
ومقابل ما قدمته الطرق الصوفية إلى السيسي، فإن الدولة الحالية تجنبت التضييق عليها في المساجد والزوايا أو الخطباء التابعيين لها، برغم حالة التضييق الكبيرة على المساجد المحسوبة على جماعة الإخوان وحلفائها، أو حتى تلك المحسوبة على رموز الدعوة السلفية الموالين للنظام الحالي، ومن ذلك منع المنظر الأكبر للدعوة السلفية في الإسكندرية ياسر برهامي من الخطابة.
ولم يطاول قرار التحفظ على أموال بعض الجمعيات الخيرية التابعة للحركات الإسلامية المناوئة للنظام الحالي (صدر منذ مدة) أيا من الجمعيات المحسوبة على الطرق الصوفية. برغم ذلك، فإن الباحث في شؤون الحركات الإسلامية صلاح الدين حسن يعتقد أن علاقة الدولة المصرية بالطرق الصوفية تأتي ضمن ما يسميه الاستخدام الوظيفي «لأن الطرق الصوفية أساسا هي في حضن الدولة». ويستدل على قوله بقدرة الدولة على حسم الصراعات التي تنشأ داخل التيار الصوفي «كاستبعاد الشيخ ماضي أبو العزائم من مشيخة مشايخ الطرق الصوفية، ووضع الشيخ عبد الهادي القصبي بديلا عنه، بسبب انزعاجها من تقارب الأول مع إيران، برغم أن المشيخة غير فعالة وليس لها نشاط على الأرض».
يشار إلى أن الطرق الصوفية حاولت خلال الأعوام الثلاثة الماضية تدشين أحزاب سياسية لها، لكنها لم تحقق الانتشار والتفاعل المطلوبين. ومن هذه الأحزاب حزب نهضة مصر، والتحرير المصري التابع للطريقة العزمية، والنصر الصوفي برئاسة محمد صلاح زايد.
مع هذا، فإن دخول الصوفيين المشهد السياسي لن يكون سلسا، بل سترافقه العديد من المشكلات كما يرى حسن في حديثه لـ «الأخبار». ومن أبرز تلك المشكلات التي قد تواجه الدولة وفق ظنّه أن الطرق الصوفية الفعالة على الأرض «تنأى» بنفسها عن الإعلام بالنظر إلى طبيعة الفكرة الصوفية وفلسفتها التي تقضي بتجنب إطلاع غير «المريدين» على تفاصيل تخص أنصار الطريقة، «لكن يبقى أن المشايخ غير التقليديين هم القادرون على صنع مشهد صوفي مغاير للمشهد التقليدي، وخاصة في صعيد مصر العليا لما يتميزون به من عصرنة تجعلهم أقرب إلى (الشيوخ المودرن) ما يهيئ لهم دورا مهما خلال المرحلة المقبلة».
وما يدفع المتفائلين في هذا السياق هو حاجة الدولة المصرية إلى الزج بالصوفية في المعترك السياسي وطرحها بديلا عن تيارات الإسلام السياسي، وهو ما يرضي الغرب مبدئيا، وفق وصفهم. وعلى ذلك يجري استغلال قدرة الصوفيين على التأثير في أتباعهم وتحويلهم إلى تيار مشارك في المشهد السياسي بدلا من وضعه الحالي، الذي يوصف بأنه كتلة مترامية الأطراف أرهقتها الانقسامات المتوالية بين القادة والمشايخ.




كلهم خطبوا ودّ «الصوفية»

لم يفت محمد مرسي خلال وجوده في كرسي الرئاسة خطب ود الصوفيين، فهو زار في سبيل ذلك مقر مشيخة الطرق الصوفية وبصحبته عضو مكتب الإرشاد محمود غزلان، الذي حرص خلال كلمته في ذلك اليوم على تأكيد الهوية الصوفية للجماعة، وفق ما يرى مؤسسها حسن البنا في تعريفه لها أنها «دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية».
في الطرف الآخر، زار مقر المشيخة كل من المرشحين السابقين حمدين صباحي
(الصورة) وأحمد شفيق وعبد المنعم أبو الفتوح، لكن مصادر ذكرت أن غالبية أصوات التيارات الصوفية ذهبت في جملتها آنذاك إلى شفيق.
أما في الانتخابات المقبلة، فتبدو أصوات الصوفيين محسومة بالكلية للمرشح عبد الفتاح السيسي، بعد إشارات كثيرة، أبرزها زيارة وفد من مشيخة مشايخ الطرق الصوفية ونقابة الأشراف إلى السيسي في مقر حملته.