ريف دمشق | لم يعد سطح الأرض وجوّها يتسعان للمعارك الطاحنة في ريف دمشق. جوف الأرض أيضاً بات ساحة موازية للحرب، مع استنفاد المسلحين لكل أشكال المواجهات التقليدية في المناطق المشتعلة من ريف دمشق، التي تطوقها الحواجز والدروع والمفخّخات على نحو كثيف.


تجنّب الأنفاق المسلّحين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، فهي تتيح لهم سهولة الانتقال من منطقة إلى أخرى، بدلاً من خوض معركة طاحنة لفتح ثغرة في الأطواق المضروبة حولهم. ومن جهة ثانية، يقيهم الانتقال تحت الأرض ضربات سلاح الجو والمدفعية الثابتة، التي عادةً ما تستهدف الطرق التي يتحرّكون عليها. يقول أحد العسكريين السوريين لـ«الأخبار»: «تكاد تكون محافظة ريف دمشق المحافظة التي تحوي أكبر عدد من الأنفاق»، ويعزو ذلك إلى سببين: الأول، هو الانتشار الواسع للجيش السوري على أراضي هذه المحافظة، والمتداخل مع انتشار المسلّحين؛ «فغالباً ما تصل درجة التداخل بين الطرفين إلى تجاورهما، في عشرات البلدات، بحيث لا تفصل بينهما سوى بضع مئات من الأمتار». أما الثاني، فهو طبيعة الأراضي في الغوطتين، الشرقية والغربية، فهي بمعظمها أراض زراعية يسهل الحفر فيها بنحو كبير.
يرجّح الكثير من الأوساط الرسمية أن تكون المعارضة المسلّحة قد استقدمت تقنية حفر الأنفاق للأغراض العسكرية من خبراء في حركة «حماس». ويعلق مصدر عسكري على هذا الأمر: «قد يكون الأمر كذلك، ولا سيما أنه ثبت تورط خبراء عسكريين من حماس في معارك ريف دمشق، وبالأخص في منطقتي يلدا وببيلا، في الريف الجنوبي». إلا أنه لفت إلى أن تقنية الحفر ليست بدرجة عالية من التعقيد، «فيكفي وجود مسّاح أراضٍ، لكي يحدّد العمق والاتجاهات المطلوبة».

أجبر المدنيون
على الحفر في
عدرا العمالية

أمّا بالنسبة إلى العقبة الرئيسية في حفر الأنفاق، التي تتمثل باحتمال خروج المياه الجوفية، «فهي ليست موجودة في أراضي ريف دمشق، لأن المياه الجوفية فيها توجد على أعماق كبيرة، تتجاوز عشرات الأمتار». والغوطة الشرقية بدورها من أكثر المناطق التي استخدم فيها المسلّحون الأنفاق، وبالأخص في خطوط التماس. ويقول أ. الحميدي، مقاتل سابق في «الجيش الحر»، لـ«الأخبار»: «يتملّك مسلّحي الغوطة الشرقية هاجس السيطرة على ساحة العباسيين، وهذا الأمر دفعهم إلى محاولة الوصول إليها عبر الأنفاق، بعد أن استعصى الأمر عليهم فوق سطح الأرض». وخلال الشهر الماضي فقط، تمكّن الجيش من ضبط العديد من الأنفاق التي حفرت في اتجاه الساحة والشوارع المحيطة بها. أحد تلك الأنفاق وصل إلى طريق فرعية بجوار منطقة كراجات العباسيين، وآخر وصل بالقرب من مبنى الصاعقة المجاور، وثالث وصل إلى جوار مبنى الدفاع المدني المطلّ على الساحة.
في السياق، يقول أحد الضباط لـ«الأخبار»: «لقد كان مخطط المسلّحين يقضي بأن يخرجوا دفعة واحدة من كل تلك الأنفاق إلى ساحة العباسيين. وبعد أن انطلقت العملية العسكرية في جوبر والمليحة، مطلع الشهر الجاري، توقفوا عن حفر الأنفاق، بسبب كثافة النيران واشتداد المعارك، ولا نتوقع منهم أن يعودوا إلى ذلك، بعد انكشاف خطتهم».
لا يتجاوز عادة طول النفق 300 متر، وهو كافٍ لتنفيذ أي غرض عسكري. ومع ذلك يتطلّب الحفر، الذي يجري بواسطة أدوات بسيطة، مجهوداً كبيراً، لذا يلجأ المسلّحون عادةً إلى إجبار المخطوفين والأسرى على العمل في الحفر. يروي سهيل عباس، الذي خطفه مسلّحون من القدم ثم أفرجوا عنه مقابل فدية، عن مشاركته بحفر الأنفاق، مرغماً، في منطقة القدم، في الريف الجنوبي: «كان المسلّحون يأخذوننا، بعد عصب أعيننا، إلى مكان الحفر، لنستمر في الحفر لأكثر من 16 ساعة يومياً، بالرغم من نقص الأوكسيجين على نحو حاد داخل الأنفاق».
المدنيون أيضاً أُجبروا على الحفر في عدرا العمالية، فبعد أن حاصرها الجيش، إثر اقتحامها من مسلّحي «الجبهة الإسلامية» و«جبهة النصرة»، منذ نحو أربعة أشهر، ارتأى المسلّحون أن الأنفاق هي وسيلتهم الوحيدة للفرار، وأن «اليد العاملة» لحفرها متوافرة بكثرة: جمع المسلّحون الكثير من شباب البلدة، ووزعوهم على مناطق الحفر. يروي أحد المدنيين لـ«الأخبار»: «الوقت كان يدهم المسلّحين، ولم يتوقف الحفر لحظة واحدة، ليس مسموحاً لأحد أن يستريح حتّى يبلغ الإعياء، أو الإغماء بسبب نقص الأوكسيجين والماء والطعام، ليأخذ محله آخرون».