عند التاسعة من صباح أمس، موعد فتح صناديق الاقتراع، تجمّع مئات المصريين أمام سفارة بلادهم في بيروت. في المكان نفسه، احتشدوا قبل ثلاث سنوات للاحتفال عند سقوط حسني مبارك، وهنا أيضاً تجمعوا في حزيران الماضي عقب سقوط محمد مرسي. واليوم أيضاً توجه المصريون من أنحاء لبنان كافة نحو منطقة الجناح للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية الثانية بعد الثورة.

حتى الثانية عشرة ظهراً كان عدد المقترعين قد وصل إلى 360، وفق ما أكد السفير المصري أشرف حمدي في حديث لـ«الأخبار».

يقارن حمدي الرقم بعدد المقترعين في الاستفتاء على الدستور قبل ثلاثة أشهر، حينها لم يتجاوز العدد الـ300 خلال أربعة أيام. عوامل عدة تفسّر الإقبال المتزايد هذه الدورة. يؤكد حمدي أن الخارجية المصرية قدّمت تسهيلات كثيرة ليتمكن المغتربون من الاقتراع من دون تعقيدات. للمرة الأولى لم يحتج المغترب المصري إلى تسجيل بياناته مسبقاً في قوائم على الإنترنت، أو إلى أوراق معينة للإدلاء بصوته. كل ما يحتاج إليه المصري للاقتراع أينما وجد في العالم ولو على نحو غير قانوني، هو بطاقة الهوية.
التسهيلات الإدارية، على أهميتها، ليست العامل الوحيد المؤثر في الحماسة التي بدت واضحة على المصريين أمام السفارة وداخلها. يشعر هؤلاء بـ«واجب وطني» تجاه بلدهم وشعبهم لاختيار مرشحهم لكرسي الرئاسة. قد تكون كلمة «اختيار» في غير مكانها، إذ يبدو أن الحماسة في هذه الدورة تصب كلها عند المرشح «الأقوى» عبد الفتاح السيسي. أمام السفارة، تطغى صور المشير على الأعلام المصرية. تعلو زغاريد عدد من المصريات اللواتي حضرن للانتخاب. تصرخ مجموعة من الشبان الذين اعتلوا حافة قريبة من المدخل هاتفين «تحيا مصر». والعبارة التقليدية التي يحيي بواسطتها المصريون بلادهم، اتخذت معنى مختلفا حين اختارها السيسي شعاراً لحملته الرئاسية. يحمل شابٌ صورة تضم كلا من الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات إلى جانب صورة السيسي. يتسابق المحتشدون للتعبير عن دعمهم للسيسي. «لو لم يكن السيسي هو الأفضل لما دعمه حفيد (الرئيس الراحل جمال) عبد الناصر». يصرخ آخر ويكرر الحشد خلفه: «ناصر قالها من زمان الإخوان ما لهمش أمان». هل السيسي هو «عبد الناصر الجديد»؟ يجيب أحدهم بحزم: المرحلة مختلفة عن مرحلة «ناصر»، لكن السيسي «سيعيد مصر إلى دورها في الخمسينيات والستينيات». يشترك معظم المحتشدين في التأكيد أن ما ينتظرونه من السيسي هو القضاء على الإرهاب أولاً ثم تحسين الاقتصاد. قد نشعر لوهلة بأن السيسي نجح بالتزكية أو أن عملية الاقتراع شكلية لإيصال المشير إلى قصر الاتحادية. هنا، لا أثر لذكر المنافس الوحيد على المنصب حمدين صباحي. لا حديث عن المقاطعة ولا عن خيار ثالث غير العسكر والإخوان، الثنائية التاريخية في أرض الكنانة. «نحن عايزين العسكر»، يؤكد رجل في منتصف العمر، ويضيف «نحن شعب يحب العسكر ويحب القوة». يدعمه صديقه قائلاً: العساكر المصريين هم ابني وابن أخي وجاري، ومن يفجر الجيش هو إرهابي ولا علاقة له بالإسلام».
وماذا عن صباحي؟ يشترك معظم الحاضرين بالتأكيد على أن حمدين «راجل محترم». ثم يتابعون بصوت واحد: «لكنه ليس رجل المرحلة». والمرحلة بحسب ما أكدوا، تتطلب رئيسا يتصدى للإرهاب «الآتي من الدول المجاورة». فيتقدم شاب يحمل صورة عملاقة للسيسي ويقول: «نحن فراعنة وعايزين فرعون مثل السيسي ليحكمنا».
كان لافتاً في «الاحتفال» الذي شهدته باحة السفارة المصرية في بيروت، محاولة أحد الحاضرين الحديث عن دعم قطري لصباحي، عبر تكراره مرتين أن حمدين «وصلته أمس أموالٌ من الدوحة». وفي المرتين، نجح الحاضرون في إسكاته ومنعه من التعرض لصباحي.
ثلاثون ألفا هو عدد المصريين المسجلين رسمياً في لبنان. يوم أمس، عبّر أكثر من مصري عن «يقينه» بأنه سيعود ليعمل في بلاده خلال عهد السيسي. يعلّق هؤلاء، وجلّهم من «الغلابى» آمالاً على مرشح لم يقدم حتى برنامجاً انتخابياً. فالبزة العسكرية، حتى بعد خلعها، كانت كافية لإقناع هؤلاء بأنه «المنقذ».
قبل أن يتفرق الحشد مع اشتداد حرارة الشمس ظهراً، يسأل أحد المتحمسين بصوت مرتفع: «هل انتخب أحدٌ حمدين؟» لتأتي الإجابة بالنفي القاطع، فيما يؤكد شابٌ آخر: «سنعود الأحد ليلاً لنحتفل بفوز السيسي». بالتزامن، أجمعت السفارات المصرية في عدد من الدول على أن عملية التصويت التي تمتد حتى الأحد، تشهد اقبالاً كبيراً من الناخبين منذ الساعات الأولى لفتح الصناديق. فيما ألغت «لجنة انتخابات الرئاسة» التصويت في سوريا وليبيا والصومال وأفريقيا الوسطى بسبب الأوضاع الأمنية.
إلى ذلك، أعلنت حملة المرشح حمدين صباحي تسجيلها انتهاكات في عملية اقتراع المغتربين.