غزة | «لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة»، و«ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، شعارات تتوسّد جدران مخيم الشاطئ الذي يصحو باكراً لينطلق صيادوه نحو رزقهم في البحر، رغم إغماض جفنيه في ساعات متأخرة.

«الشاطئ» الواقع إلى الشمال الغربي من مدينة غزّة يصادق في عوامل الموت سبعة مخيّمات أخرى في القطاع، وكلها تجتمع في أصل الحكايات التي رويت أو لم تروَ بعد عن النكبة منذ عقود مضت.

تلك الحكايات تقتحم ذاكرة الفلسطينيين، مذكرةً إياهم بتفاصيل الرحيل أينما حطّت أقدامهم، فهم مصابون بالذكرى منذ 66 عاماً دون أن تلتئم الجراح.
في قلب المخيّم يفترش عدد من الشباب الأرض وهم يبحثون عن آليات حصر المسافة بين غزّة ويافا اللتان ترتبطان بالإطلالة على بحر واحد، ووطن واحد فيه عكا والناصرة ومدن أخرى غيّر الإسرائيلي أسماءها.
أحد هؤلاء الشباب هو محمد الواوي الذي لا ينفكّ يجمّع كلّ مقتنيات جدّته خديجة بعدما أسلمت الروح قبل عامين وهي تحلم بالعودة إلى قريتها زرنوقة (قضاء الرملة) التي هجّرتها عنها عصابات صهيونية عام 1948.
يقول لـ«الأخبار»: «أكره أن نخطّ ونردد شعارات عن حق العودة في يوم النكبة فقط لأننا نحن النكبة يومياً»، مضيفاً: «حياتنا في المخيّم تعيسة، وخصوصاً بعد أن شنّت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) حربها علينا وقلّصت الإغاثات، حتى إنها قطعت المساعدات عن أسرتي المكوّنة من 12 فرداً».
رغم هذا الألم، يؤكد الواوي أنهم لن يندبوا حظهم أو يفكروا في الرجوع عن حقوقهم، مشيراً إلى أنه جمع كلّ مقتنيات جدته بنيّة عرضها في معرضٍ يحاكي التراث الفلسطيني.
وتزداد رقعة الألم الفلسطيني هذه الأيام، لكن على خط موازٍ، تكبر مساحة حلم العودة في نفوس من ورثوا الحكايات عن أصحابها. وإن غابت أجساد كثيرين ممن عايشوا فصول النكبة، فثمّة من يحيي ذكراها هذا العام بمعزل عن جوّ البكائيات المعتاد والمهرجانات الصاخبة ولغة الفصائل الشعاراتيّة.
من أولئك من تخطى حدود المعقول، ونجح في كسر القالب النمطي في إحياء ذكرى النكبة. حوّل الشباب بطاقاتهم وجهدهم الفردي العودة واقعاً، وقرعوا أجراسها في كفر برعم ولوبية وغيرها، كذلك حطّموا معنويّاً الحواجز القائمة بين الضفة وغزة.
حال الشابة أمينة سالم المهجّرة من قرية هربيا لا تختلف كثيراً عن الواوي، لكنها موسوعة متنقّلة في تفاصيل النكبة وقصص القرى والمدن المدمرة ومجازر العصابات الصهيونيّة.
تؤدي سالم التي تقطن في مخيم المغازي وسط القطاع دور «الحكواتي» بإتقان، واستلهمها هذا الأمر فباتت تدوّن الروايات الشفهية لجدّيها محمد وتمام إلى أن استقطبتها إحدى المؤسسات المعنيّة بإرساء حقّ العودة بين الأطفال لتضع ما في جعبتها بين أيديهم.
وتمكّن الشباب الفلسطينيون من تصدّر الواجهة بقوة منذ وأد مخطط برافر التهجيري الاقتلاعي دون انتظار تحرّكات القوى السياسية الفلسطينية، وهو شأنٌ يوحي برفضهم تمدّد النكبة على أجساد أهل النقب، كذلك يشي بتشكّل وعي جمعي عن مأساة النكبة حتى إن لم يكونوا شهوداً عليها.
أمس وقفت على قرب الخطر مجموعات شبابية قرب عكّا لتواجه أخطر مخطّط تهجيري، رافعة شعار «إحنا مش طالعين»، في إشارة واضحة إلى عزمهم على تفويت الفرصة على الاحتلال حتى لا يستفرد بأهل عكّا كما فعل مع غيرهم. بالتزامن، زحفت مجموعات أخرى نحو معبر بيت حانون شمال قطاع غزّة بغية كسر الحدود الجغرافية معنوياً، مع أن عدداً منهم عاد في العامين الماضيين شهيداً أو جريحاً في إحياء النكبة، لم تكن اندفاعتهم مرتبطة بتاريخ بعينه، لأن النكبة ماثلة حيّة أمامهم في واقع الاحتلال المستمر وغطرسته.