كل ما يمكن أن يخدم في تجريد الفلسطينيين من أراضيهم و«طردهم» تسعى إسرائيل حكومةً ومستوطنين إليه لتحقيق الهدف الذي احتل المرتبة الأولى منذ إنشاء الحركة الصهيونية، وهو إخلاء الأراضي الفلسطينية من شعبها لمصلحة إحلال اليهود مكانهم. في الطريق إلى هذا الهدف، تنوعت أساليب الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين بالاحتلال المباشر والتهجير ثم البناء الاستيطاني وسنّ قوانين مثل قانون أملاك الغائبين الذي يجري بموجبه الاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين الذين هجروا من فلسطين عام 1948 بحجة أنهم غائبون عنها ويحق للدولة والمستثمرين الاستنفاع بها.


غالباً تجري هذه الحرب على الأرض بتعاون قوي تظهره محكمة العدل العليا، كما تؤكد منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية التي تشير إلى أن تلك المحكمة تسهل إجراءات الاستيلاء على الأراضي عبر تغليفها بغطاء قانوني.
والجديد ـ القديم في هذا الإطار ما كشفته صحيفة «هآرتس» نقلاً عن ضابط العمليات في المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، العقيد عيناب شليف. الأخير اعترف أمام لجنة شؤون الضفة المحتلة، وهي تابعة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، بأن تكثيف التدريبات التي يجريها الجيش في «مناطق إطلاق النيران» في الضفة إحدى وسائل تقليص عدد السكان الفلسطينيين هناك، مشيراً إلى أوامر التشديد على «محاربة البناء الفلسطيني غير المرخص».
اللقاء مع العقيد شاليف أتى في سياق مناقشة البناء الفلسطيني غير المرخص في المناطق المصنفة باسم «ج» في الضفة وفق تقسيمات اتفاق أوسلو للضفة. وشمل النقاش أساليب طرد الفلسطينيين من بعض مناطق الضفة كمنطقة (E1) التي جرى ضمها إلى مستوطنة معاليه ادوميم، إضافة إلى غور الأردن وسوسيا جنوب جبل الخليل.
ورغم هذا الأداء الرسمي الإسرائيلي، اشتكى ممثلو المستوطنات وجمعية «رغابيم» الاستيطانية الذين شاركوا في الجلسة أيضاً، من «ضعف جهود الإدارة المدنية ومكتب منسق أعمال الحكومة» في محاربة ما سموه «اتساع البناء الفلسطيني غير القانوني»! واتهم هؤلاء تنظيمات دولية ودولاً أجنبية بدعم «البناء الفلسطيني غير المرخص»، ووصفوها بأنها «تحرض العرب وتتحمل المسؤولية عن الفوضى»، مطالبين السلطات العسكرية باتخاذ تدابير شديدة بحق الجهات والدول والتنظيمات التي تقدم المساعدة إلى الفلسطينيين وعقد جلسة خاصة بهذا الشأن.
كذلك، ذكرت «هآرتس» أن منسق عمليات الحكومة في الضفة، الجنرال يوآب مردخاي، شارك في الجلسة التي عقدت في السابع والعشرين من الشهر الماضي، مبينة أن مكتبه يقدم شكاوى إلى السفارات التي تشارك جمعيات من دولها في أعمال بناء للفلسطينيين. وأثنى مردخاي وفق الصحيفة على جمعية «رغابيم» ووصف عملها بالمهم، لكنه رفض ادعاءها أن الجيش يظهر ضعفاً في إحباط «البناء الفلسطيني غير المرخص». ووعد أيضاً بإصدار أمر يمنح الأولوية لتطبيق القانون في منطقة (E1)، وعلى امتداد «شارع 1» الممتد بين القدس وأريحا، مضيفاً أن الإدارة المدنية الإسرائيلية تعمل على إخلاء البدو من هذه المنطقة وتجميعهم في قرى ثابتة.
أما العقيد عيناب شليف، فرأى أن أحد الإجراءات الجيدة هو إعادة مناطق إطلاق النار إلى الأماكن التي كانت فيها، «لأنها أحد الأسباب الرئيسية التي تجعلنا ننقل تدريبات كثيرة إلى الغور، فمن ينظر إلى التدريب الأخير للكتيبة الذي شاركت فيه الطائرات الحربية والمروحيات والدبابات يعلم أن حركة السيارات وآلاف الجنود في المنطقة تسهم في إبعاد الناس»، مستدركاً: «لا أميز هنا بين اليهود والفلسطينيين، بل أتحدث عموماً»!
يشار إلى أن الجيش الإسرائيلي عزز تدريباته العسكرية في غور الأردن و«منطقة إطلاق النار 918»، وطالب في هذا الإطار بإخلاء وهدم 12 قرية فلسطينية تقع داخل المنطقة. وقبل ثلاثة أسابيع جرت تدريبات في منطقة أخرى تسمى «إطلاق النار 912» وتقع قرب منطرة أريحا، وطولبت آنذاك خمس عائلات بدوية بترك المنطقة خلال 48 ساعة، رغم أنها كانت تفاوض السلطات العبرية على توفير مكان بديل لتسكن فيه.


يخوض غالبية الأسرى اليوم إضراباً تحذيرياً تضامناً مع «الإداريين»

كذلك إن المناطق العسكرية المغلقة التي تجري فيها التدريبات العسكرية تأكل أكثر من 18% من مساحة الضفة المحتلة، أي ما يفوق مساحة المنطقة A الخاضعة إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية وتبلغ نسبتها 17.7% من أراضي الضفة. وخلافاً للقرى الفلسطينية الواقعة في هذه المناطق، فإن المستوطنات المجاورة لها غير مشمولة في مناطق إطلاق النار، كذلك تمتنع السلطات عن إخلاء البؤر الاستيطانية التي امتدت على أراض تصنف على أنها مناطق لإطلاق النيران. ويعيش في هذه المناطق 6200 فلسطيني ضمن 38 مجمعاً إسكانياً يعيش أهلها على رعاية المواشي والزراعة، وهي منشأة في أماكنها منذ ما قبل الاحتلال الإسرائيلي.
في سياق منفصل، أعلنت وزارة شؤون الأسرى والمحررين في حكومة رام الله أن 5200 أسير فلسطيني هم غالبية الموجودين في السجون الإسرائيلية كافة، سيشرعون في إضراب تحذيري، اليوم، تضامناً مع الأسرى الإداريين المضربين عن الطعام منذ 29 يوماً. وقالت الوزارة إن الأسرى حذروا أنه في الأسبوع المقبل سيدخل الآلاف منهم في إضراب مفتوح «على أن تتسع شروط المعتقلين لتشمل مطالب أخرى منها وقف سياسة الاعتقال الإداري».
على هذا الطريق، نفذ أمس 120 أسيراً في سجن «هداريم» إضراباً تحذيرياً ضد إدارة المعتقل، وشارك في هذه الخطوة الأسيران، القيادي في فتح مروان البرغوثي والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات، إضافة إلى 40 أسيراً من سجن النقب، ما يشير إلى اتساع نطاق الإضراب. ولا يزال الوضع الصحي الذي يمر به الأسرى صعباً للغاية، إذ تشير مصادر من داخل السجون إلى نقل أكثر من 20 أسيراً إلى المستشفيات الإسرائيلية بعد فقدانهم الوعي، وزج عدد آخر منهم في العزل الانفرادي.