«نفتّش عن مجموعة معتدلة بين المقاتلين على الأرض السورية كي ندعمها ونسلّحها»، هذا ما يردده المسؤولون الأميركيون في الإعلام، وهذا ما كرروه على مسامع مسؤولي المعارضة السورية الخارجية أخيراً. وفي هذا الإطار، أصدر «مركز بروكينغز الدوحة» دراسة بعنوان: «الأزمة المستمرة: تحليل المشهد العسكري في سوريا»، وهي جردة سياسية وميدانية حول مقاتلي المعارضة والجهاديين والمقاتلين الموالين للحكومة السورية.


أعدّ الدراسة الباحث تشارلز ليستر، وقد استند في معلوماته الى متابعته الرصدية الدقيقة للأزمة السورية منذ بدايتها، كما تذكر الهوامش، إضافة الى تقديرات أجهزة الاستخبارات وبيانات المعارضة السورية، وخصوصاً حول أعداد المقاتلين هناك.
و«مركز بروكينغز الدوحة» تابع لـ«معهد بروكينغز» الأميركي الذي يعدّ من أبرز المعاهد البحثية في الولايات المتحدة والمؤسس لـ«مركز سابان» الموالي لإسرائيل. لـ«بروكينغز» شبكة تواصل واسعة حكومية وغير حكومية ولعب تاريخياً دوراً في وضع «خطّة مارشال» على سكّة التنفيذ عام 1948.
بصمة «أصدقاء سوريا» في الدراسة واضحة. فلا تصنيف لأي مجموعة مقاتلة في سوريا على أنها «إرهابية» ولا توصف عملياتها بـ«الإرهابية»، بل تكتفي الدراسة بالحديث عن «مقاتلين من غير السوريين» وعن «الديناميكية الجهادية». وفي مقطع آخر تشير الى أنه «في حين يبدو أنّ المملكة العربية السعودية تركّز على إعادة تنشيط الجماعات المسلحة المعتدلة _ بما يتماشى مع مصالح سياسة الولايات المتحدة الأميركية بشكل كبير _ لا تزال قطر، وتركيا إلى حد أقل، تدعم أكثر الجهات الفاعلة في فريق الإسلاميين السائد (الذي يختلف اختلافاً واضحاً عن نوع الجهاديين من تنظيم القاعدة)».
في المقدمة، رأى معدّ الدراسة أن الصراع في سوريا أصبح «مسألة غاية في التعقيد تتضمن روايات سياسية ودينية وطائفية وعرقية وقبلية متداخلة». ولعلّ أهمّ ما قدمته الدراسة بعض الأرقام حول أعداد المقاتلين ومجموعة التوصيات التي رفعتها في المحصّلة. وفي الأرقام ذكرت الدراسة أن مقاتلي المعارضة السورية في الوقت الحالي يتراوح عددهم بين 100000 و120000 – بينهم 7000 إلى 10000 مقاتل من غير السوريين _ مقسمين إلى أكثر من 1000 وحدة مسلحة. أما الجيش السوري، فيضمّ حسب الدراسة حوالى 125,000 عنصر و«جيش الدفاع الوطني» حوالى 100000 عنصر، وحزب الله بين 3500 و7000 عنصر.
كذلك أشارت الدراسة إلى كسر سوريا الرقم القياسي في استقدام مقاتلين أجانب للمشاركة في المعارك ضد النظام، وشرحت أنه خلال عامين فقط (بين أواخر العام 2011 والفترة الممتدة بين أوائل العام 2013 وشهر آذار من العام عينه)، دخل ما لا يقل عن 11750 مقاتلاً أجنبياً من 78 دولة إلى سوريا. وهنا تكون سوريا قد شهدت «معدّلاً غير مسبوق» لدخول مقاتلين أجانب الى البلاد، متفوقة بذلك على 12 عاماً من الحرب في أفغانستان. إذ تراوح عدد المقاتلين الوافدين الى أفغانستان بين عامي 1980 و1992 بين 5000 و20000 مقاتل.


دخل ما لا يقل عن 11750 مقاتلاً أجنبياً من 78 دولة إلى سوريا

ليستر ركّز في مجمل سياق دراسته على مدى تشعّب المعارضة السورية و«الدور الضار لسياسات دول الخليج غير المتناسقة في كثير من الأحيان أو المتضاربة والداعمة للمعارضة».
ويخلص ليستر في مقدمة عمله الى أنه «ربما كان من الممكن للحكومات الغربية، قبل عامين ونصف عام، أن تساعد في إنهاء الثورة بشكل سريع وناجح، من خلال تشكيل جسم يمثل المعارضة والذي من شأنه أن يجمع المعارضة المسلحة تحت مظلّة واحدة ويساعد على توحيدها». لكن، يضيف، «مع مرور الوقت، أدى تدخّل الجهات الفاعلة والمصالح المتزايدة إلى تصعيد الأعمال الوحشية، وزيادة معدلات الإصابات ونزوح السكان الهائل، بالإضافة إلى ظهور ما يمكن أن يكون فرصاً لا مثيل لها للتطرف الجهادي». لذا، يخلص ليستر، إلى أن «الفشل الأوليّ في التحرّك، وقدرة الأسد على التكيف وسعيه الجامح للبقاء في السلطة، يتطلب الآن أن تتخطى الدول الغربية الحسابات الخاطئة السابقة والركود السياسي الراهن بهدف المساعدة في إصدار قرار يضمن الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي». وهنا، ترفع الدراسة ثماني توصيات، مع التشديد على أن «الحلّ السياسي هو الأمل الوحيد في تحقيق السلام» في سوريا، ومع إقرار ليستر باحتمال أن يدوم الصراع السوري لأكثر من عقد من الزمن. وتلك التوصيات هي:
1ـ إعادة هيكلة المعارضة السورية والحد من التحزبية السياسية.
2 ـ زيادة الدعم لمعارضة عسكرية مُنشّطة بهدف إجبار (الرئيس بشار) الأسد على الجلوس إلى طاولة مفاوضات أكثر مواتاة.
3ـ ضمّ لاعبين إسلاميين مستعدّين للمشاركة في معارضة أوسع بعد إعادة هيكلتها.
4 ـ التعاون مع الدول الخليجية لتنسيق الآليات المُحسّنة الرامية إلى مواجهة موارد تمويل المتطرفين.
5ـ التعاون مع الدول المجاورة لسوريا لتقوية السيطرة على الحدود.
6 ـ ممارسة الضغط لضمان تنفيذ اتفاقية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من خلال إعادة التأكيد على التهديد باستخدام القوة.
7ـ تقييم إمكانية استخدام عمليات حركية لمكافحة الإرهاب في سوريا أو حولها مع الحذر الشديد، بهدف تجنّب تعزيز تنظيم القاعدة والمجتمع الجهادي الأوسع الموجود في سوريا وتوحيده.
8 ـ توسيع إمداد المعلومات لاستخبارات الموارد المتاحة أو “المفتوحة” من أجل جمع المعلومات وتحليلها داخل المجتمع الاستخباراتي.

■ للاطلاع على الدراسة كاملة أنقر هنا

(الأخبار)