جاء خبر نية رئيس وزراء الحكومة المقالة في غزة إسماعيل هنية زيارة طهران كمن يلقي حجراً في ماء راكد. سرعان ما تذكر من سرّب الخبر أن يلحق جملة «إن سمحت له مصر بذلك»، ليستدرك القائلون بأن «مصر لا تزال تتخذ موقفاً من حماس، فكيف بها تسمح لهنية بالخروج إلى طهران على وجه الخصوص؟». وحتى جاء النفي الحمساوي عبر مصادر رسمية، تبيّن أن الرجل سيلقي كلمة عبر الأقمار الاصطناعية ضمن جدول أعمال المؤتمر السابع لاتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية، وهو حدث إعلامي بالدرجة الأولى، وإن كان يحمل طابعاً سياسياً لضمه أكثر من 300 مؤسسة إعلامية تتشارك جميعاً في «ممانعتها للاحتلال الإسرائيلي».


وإن حمل عنوانٌ درج في التسريبات السابقة ويفيد بأن كلاً من «إسماعيل هنية ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سيزوران طهران» نوعاً من المفارقة السياسية مع تأكيد زيارة الأخير، فإن هنية الذي حمل عضوية المكتب السياسي لحماس أخيراً، لا يزال مصنفاً ضمن الجناح المتشدد في الحركة الذي وقف معارضاً للنظام السوري ورئيسه بشار الأسد منذ بداية الأزمة. ويتناول المؤتمر المنوي عقده غداً حتى الثلاثاء عدة قضايا «من أهمها ملفات فلسطين وسوريا والمقاومة والتكفيريين والحرب الناعمة»، كما أفاد بذلك الأمين العام لاتحاد الإذاعات والتلفزیونات الإسلامیة الشیخ علي کریمیان. مع ذلك، لا يتوقع أن تحمل كلمة هنية موقفاً جديداً لحركته، بقدر ما أنها ستؤكد العموميات التي تتفق إيران و«حماس» عليها.


مشعل: لا يمكن
لحماس أن تنسى دعم الأسد وشعبه
هذا في الظاهر، أما في الخفايا التي يحب السياسيون أن تكشف في وقتها، فذكرت معلومات أن وفداً قيادياً من حماس نفذ زيارة غير معلنة لطهران يومي الأربعاء والخميس الماضيين، وأن الوفد التقى مسؤولين رفيعي المستوى في طهران وقيادات عليا معنية بملف المقاومة. وكشفت المعلومات التي لم تحدد مصادرها عن حصول «اتفاقات مهمة» بين إيران وحماس للتعاون من أجل دعم جبهة المقاومة، وأن الأخيرة أكدت أنها ضمن محور المقاومة في المنطقة، وهي مستعدة للتعاون وترميم ما سبق.
الزيارة كانت تجري، وعلى الشاطئ الآخر من الخليج جمعت الصورة كلاً من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، ومساعد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان في الدوحة. وحتى لا تأخذ التأويلات غير مساراتها، كانت زيارة عبد اللهيان لقطر، على ما أفادت مصادر إيرانية مطلعة، ضمن إطار لقاءات دورية عززها الموقف العماني والقطري من السعودية، وجاء اللقاء بين الاثنين على الهامش، أي إن المسؤول الإيراني لم يسافر خصّيصاً للقاء مشعل. مع ذلك، ما أعطى الخبر قيمة مضافة تصريح للأخير لفت اهتمام الإعلام وعناصر حماس الذين تأثروا بمواقف قياداتهم من سوريا، فقد قال الرجل حرفياً: «لا يمكن حماس أن تنسى دعم الرئيس السوري بشار الأسد وشعبه للمقاومة والقضية الفلسطينية». هذا التصريح بقدر ما شتت المواقف الداخلية للقاعدة الشعبية لحماس، فإنه شكل تطوراً غير مسبوق في الموقف من الرئيس السوري بعد القطيعة في العلاقات بين دمشق والحركة، وإن كان عضو المكتب السياسي موسى أبو مرزوق قد حاول تصويب المسار قبل أشهر حين قال على شاشة التلفاز إن مشعل رفع علم «الثورة السورية» خلال زيارته لغزة من طريق الخطأ. كل هذه التحولات التي كُشف عن بوادرها إعلامياً قبل أشهر (الأخبار، تشرين الثاني) لا يمكن فصلها عن السياق العربي والفلسطيني الداخلي؛ فلا يخفى أن سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر وما تبعه من حرب على الجماعة وترفعاتها، وتأثيرات الوضع الفلسطيني السياسي المتأزم الذي دفع كلاً من حماس وفتح إلى المصالحة، عاملان يدفعان بالتأكيد إلى أن تتمسك حماس بقشة تنقذها من حصارها، وتعيد في سبيل ذلك إحياء التحالفات القديمة بعدما أخفقت شبكة العلاقات الجديدة (القاهرة - الدوحة - أنقرة) في إنقاذها من أزماتها.
كذلك، يحمل التحول الجديد في المنطقة بعد صمود النظام السوري مكاناً لحماس، فقد أبدى مشعل ترحيبه بالمقترح الذي عرضه المسؤول الإيراني عليه، وفيه «فكرة توحيد جهود فصائل المعارضة السورية إلى جانب الجيش هناك في مواجهة ظاهرة التطرف والإرهاب». هذا يؤيد النظرية القائلة إن حماس تريد أن تكون في المحور المقابل للسعودية و«مصر السيسي»، لكن لم يتضح بعد جدوى إمكانية جمعها المصالحة مع إيران المعروفة بموقفها من تل أبيب من جهة، والاتفاق مع فتح صاحبة البرنامج السياسي الذي يقبل وجود إسرائيل من جهة أخرى.
كل التقدم الملحوظ لا يمكن فصله عن الجهود التي كشف عنها الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي رمضان عبد الله شلح حين قال قبل شهرين إنه كان جزءاً من دور الوساطة بين إيران ومشعل، وسافر في سبيل ذلك من طهران إلى الدوحة أيضاً. ولشلح الذي لم يسجل عنه موقف مضاد للنظام السوري أو المعارضة، كلمة أخرى تعزز الحضور الفلسطيني في المؤتمر، لكنها ستكون أيضاً عبر الأقمار الاصطناعية.
(الأخبار)