القاهرة | تطرح إحالة أوراق المئات من المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمون، إلى مفتي الديار المصرية، ضمن إجراء يتخذ قبل الحكم بالإعدام، أسئلة كثيرة عن استقلالية القضاء المصري، ولا سيما أن العدد المحال بتهم ممارسة العنف والانتماء إلى الجماعة المحظورة كبير مقارنة بقضايا سابقة.


ولا يقتصر حدود التساؤل على ما يتعلق بالإخوان، فهناك أحكام أخرى شملت الشباب الثوريين، وليس آخرهم أحمد ماهر وأحمد دومة ومحمد عادل الذين حوكموا بالسجن ثلاث سنوات على خلفية اتهامهم بالتظاهر دون ترخيص، فضلاً عن مئات المواطنين المقبوض عليها بتهم «غير جادة» ويجدد حبسهم الاحتياطي أكثر من مرة، وفق محاميهم.
وكان الدستور الذي أعدته جماعة الإخوان نفسها عام 2012 ودعمته بقوة قد نص في مادته الـ 184 على أن «السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتُصدر أحكامها وفقاً للقانون الذي يبين صلاحياتها». المادة نفسها تكررت بصيغة أخرى في الدستور الجديد الذي استفتي عليه بعد إقصاء الإخوان، وذلك في مادته 186 التي تقول إن «القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، ولا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات، ويحدد القانون شروط وإجراءات تعيينهم وإعاراتهم وتقاعدهم، وينظم مساءلتهم تأديبياً، ولا يجوز ندبهم كليا أو جزئيا إلا للجهات وفي الأعمال التي يحددها القانون، وذلك بما يحفظ استقلال القضاء والقضاة وحياديتهم، ويحول دون تعارض المصالح». رغم تلك الموادّ التي أقرها دستوران صاغتهما جهتان مختلفتان ومتخالفتان، فإن هناك من يقول إنها نصوص صماء لا علاقة لها بالواقع وإن القضاء المصري ليس مستقلا، في حين يرى مؤيدو خريطة الطريق أن ما يجري إقراره نصّا ليس بالضرورة تنفيذه الآن في ظل حالة الطوارئ الضمنية التي تعيشها مصر.
ويعتقد عدد ممن يراقبون هذا الملف أنه من الإنصاف ألا نتهم النظام الحالي وحده باستغلال القضاء، فاستغلال المحاكم في معاقبة المعارضين وفق رأيهم استخدمته تقريبا كل الأنظمة التي توالت على حكم مصر بالطريقة نفسها، أكانت حكما عسكريا أم مدنيا، لكن تبقى السرعة في تحريك الدعاوى ضد معارضي النظام وتجميد الاتهامات ضد شخصيات قريبة منه، دليلا قويا على أن هناك علاقة لا تزال تربط بين القضاء والنظام الحاكم.
هذه العلاقة تنفي عن القضاء المصري صفة الاستقلالية كما ينظر إليها مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان المحامي جمال عيد الذي يستدرك بالقول إن «في مصر قضاة مستقلون لكن ليس فيها منظمومة قضائية مستقلة». ويضيف لـ”الأخبار”: «وجود قضاء مستقل يحتاج قوانين تضمن ذلك إلى جانب إرادة سياسية تطبق تلك القوانين، ونحن الآن لا نملك أيا من الشرطين».
ومضى يقول: «النص على استقلال القضاء في الدستور لا يساوي الحبر الذي كتب به في مقابل غياب قوانين تترجم ذلك أو رغبة سياسية في جعل القضاء مستقلا». ورغم أن وزارة العدل تابعة للحكومة وتسيّر شؤون أغلب القضاة، فإن عيد يرى ضرورة إنهاء هذا الوضع في قانون السلطة القضائية الجديد «وكف يد الدولة عن التدخل في شؤون القضاء وأن يباشر القضاة أنفسهم تنظيم نظمهم”، مؤكدا رصده بصفته محاميا وقائع تؤكد انحياز السلطة القضائية إلى النظام الحاكم.
ويشاركه في ذلك مؤسس مركز هشام مبارك للقانون أحمد حمد الذي يقول إن كل النصوص الدستورية منذ 1923 تنص على أن القضاء مستقل، «لكن الحقيقة عكس ذلك بل هناك رابط سري عميق في مصر بين النظام الحاكم والقضاء أكان هذا النظام عسكريا أو مدنيا، أو يرأسه قاضٍ كما يحدث الآن في عهد عدلي منصور الذي يشغل منصب رئيس المحكمة الدستورية العليا”. وفي شرحه هذه الظاهرة التاريخية في السياسة المصرية، يوضح حمد أن المصالح السياسية تغلب الدستور بكامل مواده، ضاربا مثالا على ذلك بالإشارة إلى أن الرئيس الحالي القادم من أعلى محكمة قضائية أصدر قرارا بتحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات، «وهذا يخالف الدستور المستفتى عليه ما يؤكد مجددا أن مواد الدستور بلا جدوى”.
ويرجع أغلب القضاة المصريين إلى كتاب «معركة العدالة في مصر» للمستشار الراحل ممتاز نصار الذي كان رئيس نادي القضاة ما بين عامي 1962 و1969 لكنه استقال من القضاء عقب ما سماه القضاة «المذبحة» في الخلاف الشهير بين جمال عبد الناصر ونادي القضاة، وقد عزل في ذلك اليوم عدد كبير من القضاة.
ويروي نصار في كتابه واقعة تقول إن «أحد الوجهاء دعا في منزله قاضي المحكمة التي تخضع لها دائرته ثم تناولا الغداء معا، وسرعان ما وصل الخبر وزير العدل آنذاك فاستددعى القاضي المذكور من الفور ووجه اللوم إليه على الإتيان بفعل يتنافى مع مكانته، فقيل للقاضي الذي أوقعته المجاملة في المحظور: ماذا لو وقف أمامك ذلك الوجيه طرفا في قضية؟ ليصمت دون تعليق». أما عن الرقابة على هذه العملية التي تتولاها إدارة التفيش القضائي التابعة لوزارة العدل، فإن مدير التفتيش القضائي السابق المستشار زغلول البلشي ذكر أن من مهمات تلك الإدارة تولّي شؤون القاضي كافة بدءا من التعيين حتى إحالته إلى المعاش.
وبتفصيل أكبر فإن على تلك الإدارة التفتيش على أعمال القضاة، وجمع البيانات التي تؤدي إلى معرفة درجة كفاءاتهم، ومدى حرصهم على أداء وظيفتهم وإعداد البيانات اللازمة عنهم من أجل عرضها على مجلس القضاء الأعلى عند النظر في الحركة القضائية، وكذلك تلقي الشكاوى التي تقدم ضد القضاة.


«الداخلية» من أكثر الوزارات التي تقيم حفلات سنوية للقضاة

هنا، يقول البلشي إن هيئة التفتيش القضائي تعدّ ملفا سريا لكل قاض تودع فيه جميع الأوراق المتعلقة به، ولا يجوز لغير القاضي صاحب الشأن أو وزير العدل أو مجلس القضاء الأعلى الاطلاع على هذا الملف. أما حمد فيعزو «عدم جدوى هذه الإجراءات إلى أن قانون السلطة القضائية يمنح وزير العدل الحق في اختيار رؤساء المحاكم الذين يوزعون بدورهم القضايا على القضاة»، مستطردا: «الوزارة اختارت رؤساء محاكم الإرهاب بهذه الطريقة للتنكيل بمعارضي النظام الحالي، كما إن النائب العام يختاره المجلس الأعلى للقضاء لكن لا بد من موافقة رئيس الجمهورية وتصديقه القرار قبل تنفيذه”.
القضاة من جانبهم يدافعون عن أنفسهم دائما ويرون أنهم سلطة مستقلة عن «التنفيذية»، وأنه لا يوجد ما يؤثر على رأي القاضي أثناء نظره في القضايا التي تعرض أمامه سوى القانون فقط.
في هذا السياق، ورد عن وزير العدل المستشار نير عثمان قوله: «القضاء المصري قضاء مستقل وشامخ منذ قيامه وقبل أن تعرف دول كثيرة معنى القضاء»، وأضاف في مؤتمر صحفي منذ أيام: «لا سلطان على القضاء غير القانون، ولا يستطيع أحد أن يوجه القاضي أكان وزير العدل أو أي مسؤول له سلطة عليا».
على المنوال نفسه، يقول وكيل نادي القضاة المستشار عبد الله فتحي إن القضاة في مصر مستقلون ولا يقع أي منهم تحت أي تأثير من طرف ما، «فنحن نتعامل بالقانون فقط|، لافتا إلى أن القضاة دائما على مسافة واحدة من كل التيارات والقوى السياسية وكذلك مع الدولة. وأضاف فتحي لـ»الأخبار»: «نحترم الدولة لكننا لا نسمح لها بالتدخل في شؤوننا.. مواد الدستور الجديد أكدت استقلالية القضاء والقضاة ولابد أن يترجم ذلك في قانون السلطة القضائية الذي سيعرض على البرلمان المقبل ليؤكد بدوره استقلالية القضاء عن وزارة العدل”.
وفي رده على من يتهم القضاة بأنهم يعيشون في برج عاجي بعيدا عن الناس، أجاب مبررا بأن «على القاضي أن يكون بعيدا عن المناسبات الاجتماعية حتى لا يؤثر ذلك على أحكامه القضائية”.
في المقابل، يرى المحرر القضائي علاء الجمل أن هناك بعض الوزارات والهيئات ممن يتعاملون مباشرة مع القضاة أصبحت تخصص ميزانية لإقامة الحفلات على شرف العدالة، لافتا إلى أن «الداخلية» من أكثر الوزارات التي تقيم حفلات للقضاة.




غضب السلطة التنفيذية

يظهر أن أزمة استقلالية القضاء في مصر أعمق بكثير من مجرد مواد في دستور، ففي حزيران الماضي صدر حكم من المحكمة الدستورية العليا وهي أعلى سلطة قضائية بالبلاد جاء فيه أن البند الأول من قانون الطوارئ غير دستوري، وهو البند المتعلق بصلاحية الاعتقال الإداري ضمن قرار من وزير الداخلية. رغم أن هذا الحكم كان مهما في تلك المرحلة لكن المفاجأة أن هذه الدعوى كانت مرفوعة أمام المحكمة نفسها منذ إبريل 1993، أي إن المحكمة بقيت تنظر في القضية منذ حوالي 20 عاما، ما يعني أنها كانت تنتظر الوقت المناسب والظرف السياسي لتصدر هذا الحكم. هذا كله يوحي أن في مصر مكانا أعلى من أعلى سلطة قضائية هو غضب السلطة التنفيذية!. أما الأزمة الكبرى فهي أنه منذ صدور هذا الحكم لم يتحرك أحد لتنفيذه.