القاهرة | دائما ما تثير أحكامها جدلا سياسيا وقانونيا أيضا، برغم أنها تضم قاضيا واحدا حديث السن، ملتحقا لتوه بسلك القضاء... إنها محكمة الأمور المستعجلة التي أصدرت أخيرا أحكاما بحرمان قادة الحزب الوطني الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وحتى المجالس الشعبية، إلى جانب عودة الحرس الجامعي التابع لوزارة الداخلية إلى الجامعات، وقبلها أحكاما بحظر أنشطة جماعة الإخوان ومصادرة ممتلكاتها وحظر أنشطة حركة 6 أبريل، وحتى حركة حماس الفلسطينية، ومن المتوقع أن تسقط الجنسية عن عدد من قادة الجماعة...


وبعيدا عن الموقف السياسي الواضح لأحكام تلك المحكمة، التي اشتهرت في عهد حسني مبارك بمحكمة وقف تنفيذ الأحكام المعادية للنظام، يبدو السؤال الأكثر إلحاحا هو ما حدود صلاحيات تلك المحكمة التي خالفت أحكامها المبادئ المستقر عليها في أحكام المحكمتين الأعلى في مصر «الدستورية العليا – والإدارية العليا».
وزير شؤون مجلسي الشعب والشورى الأسبق المستشار محمد عطية يرى أن محكمة الأمور المستعجلة تتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية عن تشكيك البعض في نزاهة وشفافية القضاة المصريين، لافتا الى أن اختصاص محكمة الأمور المستعجلة يقف عند الفصل في المسائل التي يخشى عليها من فوات الوقت، مثل بضاعة معرضة للتلف على أن تكون أحكامها مؤقتة، لا تتعرض للموضوع، ويكون للمحكمة المختصة بالفصل في موضوع المنازعة الكلمة الأخيرة في الأمر. وأضاف أنه في الغالب يكون إنشاء تلك المحكمة يضم قاضيا واحدا حديث السن يسمى قاضي الأمور الوقتية، وفي أحيان كثيرة يقوم هذا القاضي بالفصل في أمور مستعجلة معروضة أمامه من منزله، فيعطي ما يسمى أمرا على عريضة. ولفت عطية إلى أن المستقر عليه أن أي قاضي عندما ينظر في قضية معروضة أمامه يبدأ بالتعرض أولا لمدة اختصاص المحكمة بالفصل في القضية، وبالنسبة إلى قاضي الأمور المستعجلة يكون عليه أولا أن يحدد مدى جدية واستعجال الدعوى المقامة أمامه، لافتا إلى أن المحكمة اصدرت سابقًا أحكاما تعارضت مع الدستور ومع أحكام المحكمة الدستورية العليا. وتابع أن حكم المحكمة الأخير بحرمان قادة الحزب الوطني الترشح للانتخابات يتعارض صراحة مع ما انتهت إليه المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر بتاريخ 18 شباط من العام الماضي، بعدم دستورية العزل السياسي لقادة ورموز الحزب الوطني. وأضاف عطية أن المحكمة تستجيب لدعاوى محامين راغبين في الشهرة يلجأون إليها وهم يعرفون جيدا أنها غير مختصة، لافتا إلى أن غالبية الدعاوى المنظورة أمام تلك المحكمة متداولة أمام محكمة القضاء الإداري، المختصة بالفصل في المنازعات الإدارية في الأساس. وشدد عطية على أن كافة الأحكام الأخيرة لمحكمة الأمور المستعجلة، ابتداءً من حكم حظر أنشطة جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة ممتلكاتها، حتى حكمها الأخير بعودة رجال الداخلية الى الجامعات هي أحكام سياسية ليس لها أي قيمة قانونية أمام الجهة القضائية المختصة إذا أعيد طرح ذات النزاع أمامها، مضيفا أن غالبية الأمور المنظورة أمام محكمة الأمور المستعجلة هي منازعات إدارية من اختصاص محاكم مجلس الدولة.


عطية: المحكمة اصدرت سابقًا أحكاما تعارضت مع الدستور

«أحكامها تحت السيطرة» هكذا أكد مصدر قضائي رفيع المستوى، مضيفا أن قضاة محكمة الأمور المستعجلة يخضعون في النهاية لرقابة التفتيش القضائي، الذي يترأسه مساعد وزير العدل فيراقب التفتيش كافة أحكام تلك المحاكم، ولا يمكن أي من قضاة محاكم الأمور المستعجلة في مصر أن يصدر حكما يخالف المزاج الحكومي، مضيفا أن تلك المحاكم استخدمت على نطاق واسع في عهد مبارك في إصدار أحكام بوقف تنفيذ كافة الأحكام التي تتعارض مع مصالح النظام. رئيس مركز القاهرة لحقوق الانسان بهي الدين حسن من جانبه قال إن محكمة الأمور المستعجلة على مستوى الجمهورية دأبت في الفترة الأخيرة على إصدار أحكام مخاطبة للرأي العام، وهو ما يهدر دولة سيادة القانون، مضيفا أن نهج المحكمة سيشجع العديد من الأطراف على اللجوء إلى القضاء المستعجل للحصول على أحكام تتفق وأهوائها السياسية، لتتحول أحكام القضاء إلى مجالا لتصفية الحسابات السياسية، مطالبا المجلس الأعلى للهيئات القضائية بالعمل على إعادة الاعتبار إلى مبدأ سيادة القانون ووضع حد لما سماها «الفوضى القضائية»، والتسييس المتزايد في القضاء، ولتوظيفه من كل النظم والأطراف السياسية. ولفت حسن إلى أن المحكمة أصدرت أخيرا أحكاما تتعدى فيها على صلاحيات واختصاصات الهيئات القضائية وتجاوزت دورها كقضاء مستعجل وتصدت لموضوعات جنائية وإدارية.