دمشق | ما بين الاتصال والاتصال... اتصال، هكذا يختصر السوريون ما فعلته المخاوف الأمنية بحياتهم اليومية. فمع كل قذيفة هاون أو تفجير أو اندلاع اشتباكات هنا أو هناك يهرعون إلى هواتفهم النقالة للاطمئنان على أقاربهم وأصدقائهم.


الهاجس الأمني دفع ببعض العائلات إلى متابعة أبنائها هاتفياً، لحظة بلحظة، خلال تنقلاتهم الى العمل أو السوق أو الجامعة أو المدرسة... فيما وجد آخرون في الخليوي منفذاً لتسيير أعمالهم وإدارتها في ظل صعوبات التنقل والسفر. هذا الواقع يعززه مؤشران يظهران ارتفاع إنفاق العائلة السورية على بند الاتصالات رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها حالياً نصف سكان البلاد. المؤشر الأول هو زيادة عدد مشتركي خدمة الاتصالات الخليوية، إذ تكشف البيانات الرسمية أن عدد المشتركين وصل مع نهاية العام الماضي إلى نحو 12.320 مليون مشترك، أما المؤشر الثاني فيتمثل في انتعاش مبيعات سوق الأجهزة الخليوية، الحديثة منها والمستعملة.

تزايد حالات امتلاك المواطنين لخطين تحسباً لانقطاع خدمة إحدى الشركتين


101 مليار ليرة

يشير فراس، وهو موزع معتمد لخدمات شركتيْ الخليوي وصاحب محل لبيع الأجهزة وسط دمشق، إلى أنّ «معظم طلبات الزبائن تنحصر في شراء خطوط مسبقة الدفع نظراً الى ما توافره من إمكان ضبط اتصالاتهم بما يتناسب وإمكاناتهم المادية». ويلفت الى تزايد حالات «امتلاك المواطنين لخطين معاً» لا سيما في المناطق الريفية والمحافظات البعيدة، تحسباً لانقطاع خدمة إحدى الشركتين (سيرياتل وMTN)، الذي قد يستمر أياماً أو أسابيع في حال تعرض أحد أبراج إحدى الشركتين للتخريب والتدمير. وتؤكد الحكومة أنّ 40% من الشبكة المحلية للخليوي تعرض للضرر والتخريب منذ بداية الأزمة، ويزيد حجم الخسائر على 200 مليار ليرة (حوالى 1,32 مليار دولار).
بلغة الأرقام، يتضح أكثر واقع الإقبال على خدمة الاتصالات الخليوية، فالبيانات المالية الرسمية لشركتي الخليوي توضح أن السوريين أنفقوا على الاتصالات الخليوية خلال عام 2013 ما يزيد على 101 مليار ليرة (حوالى 666 مليون دولار) تمثل إيرادات الشركتين، ذهب منها نحو 47.3 مليار ليرة الى شركة الاتصالات الحكومية بموجب عقد الاستثمار الموقع بداية العقد الماضي، فيما وصل صافي ربح الشركتين إلى 8.787 مليارات ليرة موزعة على 5.394 مليارات ليرة لشركة «سيرياتل»، و3.393 مليارات ليرة لشركة MTN.
وعلى ذلك، فإن إيرادات قطاع الخليوي لم تتأثر خلال فترة الأزمة مقارنة بالقطاعات الأخرى إلا في نسب محدودة جداً، وتكاد تكون هامشية في ظل تراجع مستوى دخل الفرد بشكل غير مسبوق، وارتفاع معدل البطالة إلى نحو 50%، وما نجم عن ذلك من توسع دائرة الفقر لتشمل نحو سبعة ملايين مواطن جديد خلال السنوات الثلاث السابقة.
وتظهر البيانات المالية بوضوح اعتماد غالبية الزبائن على الخطوط المسبقة الدفع التي تمثل مخرجاً يوفق بين تحول جهاز الخليوي إلى حاجة لا يمكن الاستغناء عنها مع ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية، وبين الضغوط المادية والمعيشية المتزايدة. ووفقاً للأرقام المالية، فإن السوريين أنفقوا على هذه الخطوط ما يزيد على 78.8 مليار ليرة العام الماضي، فيما لم يتجاوز إنفاقهم على الخطوط اللاحقة الدفع 17.3 مليار ليرة. ولوحظ تزايد أعداد مستخدمي خدمات الجيل الثالث والانترنت، لأسباب بعضها متعلق بعدم توافر خدمات الانترنت وفق نظام ADSL في بعض المناطق، والانتشار الواسع لأجهزة الخليوي الجديدة التي تتيح مزاياها تصفحاً أفضل للانترنت، وتؤكد البيانات أن إنفاق السوريين على خدمات الجيل الثالث والانترنت بلغت نحو 5.2 مليارات ليرة.

شبكات أخرى

واقع قطاع الخليوي المطمئن للحكومة باعتباره اليوم المصدر الأول لدخل الخزينة العامة بعد توقف إيرادات قطاع النفط، يقابله واقع جديد يتمثل خارج إطار سلطة الحكومة وقوانينها، وعماده انتشار ظاهرة استخدام السوريين في المناطق الحدودية لشبكات الدول المجاورة سواء نتيجة تضرر مراكز الشبكة المحلية وغياب الخدمة، أو رغبة في الابتعاد عن استخدام الشبكة المحلية للحيلولة دون تتبع مكالماتهم ومعرفة محتواها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بأعمال التنسيق بين أفراد المجموعات المسلحة. لكن محافظة الشبكة المحلية العائدة لشركتي الخليوي على انتشارها الجغرافي ونفاذها داخل فئات المجتمع فرضها كخيار لا بد منه عند محاولة التواصل مع آخرين يقيمون في مناطق داخلية ليس فيها سوى تغطية الشبكة المحلية.