غزة | ما دام الفقر وانعدام الفرص حال الغزيين منذ سنوات، فهذا يعني استمرار عدد منهم في محاولة البحث عن فرصة حتى لو كانت في أراضيهم المحتلة. في المقابل، يستمر الجيش الإسرائيلي في رصد حالات التسلل عبر السياج الحدودي، ولا يخلو أسبوع من دون إعلانه اعتقال شاب أو أكثر بتهمة التسلل.


الشاب أشرف منصور من سكان شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة كان أحد الذين يبحثون عن فرصة خلف السياج. حاول مع صديقيه الوصول إلى إسرائيل للعمل وتحصيل المال. لم يأبهوا بالمخاطر المحدقة بمغامرتهم التي لا تحمد عقباها غالباً. يفعلون ذلك في الوقت الذي يخشى فيه سكان البيوت الحدودية في القطاع التحرك مساءً، فقد يكون الموت مصيرهم على يد جندي أو رشاش أوتوماتيكي يراقب كل جسم متحرك، وما إن يحدد مكانه حتى يوجه إليه رصاصاته كما يحدث مع فلسطينيين يصابون شرق القطاع وشماله حين يشتبه في نيّتهم التسلل، في حين أنهم يكونون إما مزارعين أو من سكان تلك المناطق.
منصور كان محظوظاً حين اعتقله الجيش الإسرائيلي على الحدود ولم يصبه طلق ناري يبقيه عاجزاً طوال حياته أو يودي به كما حدث مع كثيرين غيره. لم تعلم أسرته باعتقاله إلا بعد تلقيهم اتصالاً منه يخبرهم فيه أن الإسرائيليين اعتقلوه. تقول والدته لـ«الأخبار»: «فقدنا أثر ابننا لأيام ولم نتوقع أن يكون معتقلاً لدى الاحتلال حتى اتصل بنا وأخبرنا بذلك». لم يتجاوز اتصال أشرف بأمه بضع دقائق طلب فيها توفير محام له لتخفيف الحكم عنه في سجون الاحتلال، علماً بأن الأحكام الإسرائيلية على الشبان الذين تعتقلهم عبر الحدود تكون ما بين 3 أشهر إلى عشرين. وتتكون أسرة منصور من 10 أفراد لا يستطيعون توفير قوت يومهم في ظل غياب المعيل. ويعلل هؤلاء الشبان (أعمارهم ما بين 17و25 عاماً) تصرفاتهم حين يضبطهم أهاليهم بتدهور الأوضاع الاقتصادية في غزة منذ سيطرت حركة «حماس» عليه قبل اتفاق المصالحة الأخير، وما تبع ذلك من حصار إسرائيلي مشدد أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وانتشار الفقر اللذين لم يعالجا بعد. ويبلغ عدد الذين اعتقلهم الجيش الإسرائيلي على الحدود 125 منذ بداية العام الماضي، وفق تأكيد مؤسسات حقوقية في غزة أشارت أيضاً إلى مقتل 5 شبان وإصابة 20 آخرين بالرصاص خلال المدة نفسها أثناء محاولتهم التسلل إلى الأراضي المحتلة.
غالباً يختار من يتخذون قرار التسلل توقيتاً معيناً لاجتياز الحدود كساعات الفجر، ولا سيما حين تكون الأجواء ضبابية، حتى لا تكتشفهم القوات الإسرائيلية المتمركزة على الحدود.
«محاولة التسلل الحدودية أشبه بمن يحمل كفنه على كتفه ويتقدم من دون خيارات بعد أن ضاقت به سبل الحياة»، يقول سمير زقوت مسؤول البحث الميداني في مركز الميزان لحقوق الإنسان. ويوضح أن جميع الشبان دون 25 عاماً هم من يجازفون بحياتهم للبحث عن وسيلة تؤمن لهم العيش في ظل العوز والبطالة المرتفعة التي تزداد أعدادها عاماً بعد عام.
ووصلت نسبة البطالة في قطاع غزة إلى 39% في الربع الأخير من العام الماضي، طبقاً لجهاز الإحصاء الفلسطيني.
زقوت يرى أن ما يتعرض له هؤلاء من مخاطر تصل إلى حدّ الموت «يمثل الوجه الحقيقي لواقع غياب العدالة في حياة الغزيين». ويضيف: «هذا يكشف تحلل السلطات الإسرائيلية من القانون الدولي الذي يلزمها بإتاحة فرص العمل للناس في غزة لكنها لا تفعل ذلك».
من جانبها، وزارة الداخلية في عهد الحكومة المقالة كانت تمنع أي محاولات تسلل عبر الحدود، وهي تشددت في ذلك بعدما قالت إنها كشفت ثبوت شبهات أمنية في الدافع الأساسي لعدد من الحالات «إضافة إلى ابتزاز المخابرات الإسرائيلية الشباب للتعاون معها عند عودتهم إلى غزة».
لا تنتهي معاناة الشبان المتسللين بعد الإفراج عنهم، فهم يعودون إلى المكان نفسه والوضع الذي حاولوا الهرب منه. وفوق أنهم لم يفلحوا في تغيير نمط حياتهم وكونهم متعطلين من العمل، فإنهم يرجعون مع «وصمة عار مجتمعية». هذا ما حدث مع محمد العمصي الذي أفرجت عنه السلطات الإسرائيلية قبل عام وكان قد قضى 12 شهراً داخل سجونها بتهمة التسلل.
يقول العمصي لـ«الأخبار»: «أكثر ما يؤلمني أنني حاولت إيجاد طرق أخرى للحصول على عمل، ولكن بعد اعتقالي في إسرائيل والإفراج عني مع انتهاء محكوميتي، استدعاني جهاز الأمن الداخلي في غزة لمعرفة الأسباب التي دفعتني إلى التسلل»، مضيفاً أن استدعاء الأمن له جعل بعض من حوله يفسرون الموقف بأنه استدعاء لـ«عميل مع الإسرائيليين». ويتابع: «لم تفارقني هذه الوصمة رغم إفراج الحكومة عني. ما فعلته ليس أكثر من هرب من حبس كبير إلى سجن أصغر ولكن مع امتيازات. ففي الأخير يتوافر الطعام والشراب بانتظام وهذا يصعب إيجاده في غزة».
رغم مرارة التجربة التي عاشها العمصي، فإنه لم يبد رغبته في ترك المحاولة، معقباً: «لا أزال أبحث عن فرصة، لكنني لا أجد.. متخرّجو الجامعات متعطلون من العمل، فما بال من لم ينه تعليمه مثلي؟».